الكثيرة العدد؛ أن لو شغله شأن عن شأن وفعل عن فعل، وقد تعالى عن ذلك. (إن الله سميع بصير) يسمع كل صوت ويبصر كل مبصر في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض، فكذلك الخلق والبعث.
[ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير)] 29 - 30 [
كل واحد من الشمس والقمر يجرى في فلكه، ويقطعه إلى وقت معلوم؛ الشمس
قوله: (فكذلك الخلق والبعث) أي: كما أن المعلومات لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض، كذلك المخلوقات لا تتفاوت فيما يراد منها من الإيجاد والإعدام، فلا يشغله فعل عن فعل، فشبه المقدورات فيما يراد منها بالمعلومات فيما يدرك منها.
والظاهر أن قوله: ﴿إن الله سميع بصير﴾ تعليل لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع، وأن شيئا من المقدورات لا يشغله فيما يراد منه عن الآخر؛ لأنه تعالى عالم بتفاصيلها وجزئياتها يتصرف فيها كيف شاء، كما يقال: فلان يجيد تلك الصنعة وهو ماهر فيها؛ لأنه عارف بدقائقها ومتمماتها. والمقصود من إيراد الوصفين إثبات الحشر والنشر؛ لأنهما عمدتان فيه.
ألا ترى كيف عقب بقوله: ﴿أن الله يولج الليل في النهار﴾ إلى قوله: ﴿أن الله بما تعملون خبير﴾ تقريرا له؛ فدل بالأول على عظم قدرته، وبالثاني على شمول علمه. وإليه الإشارة بقوله: ((على عظم قدرته وحكمته)) فإنه نشر لقوله: ((أيضا بالليل والنهار))، وقوله: ((وبإحاطته بجميع أعمال الخلق))، وذلك أن قوله: ﴿أن الله بما تعملون خبير﴾ عطف على ﴿أن الله يولج الليل في النهار﴾، فدل بالأول على القدرة الكاملة، وبالثاني على الحكمة البالغة، فقوله: ((وبإحاطته)) عطف على ((بالليل والنهار))، وقوله: ((وكل ذلك)) مبتدأ، و ((على تقدير وحساب)) خبره، والجملة معترضة.