تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وجعلنا) لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدى إلى واحد، فالمعنى: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله (والله خلق كل دابة من ماء)] النور: 45 [، أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه، كقوله تعالى (خلق الإنسان من عجل)] الأنبياء: 37 [وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى: صيرنا كل شيء حى بسبب من الماء لا بد له منه. و «من» هذا نحو «من» في قوله عليه السلام «ما أنا من دد ولا الدد منى» وقرئ: "حيا"، وهو المفعول الثاني. والظرف لغو.

قوله: (فالمعنى: خلقنا من الماء)، يعني: إذا جعل (وجعلنا) متعديا إلى مفعول واحد فهو بمعنى: خلقنا، ف"من" إما ابتدائية أو بيانية، فعلى أن تكون ابتدائية: الجار والمجرور متصل بالفعل، و (كل شيء): مفعول به، و (حي): صفة للشيء، فالمعنى: أنشأنا كل حيوان من الماء، وهو المراد من قوله: "خلقنا من الماء كل حيوان"، فقدم الجار والمجرور على المنصوب، وعلى الثاني: الجار والمجرور حال قدمت على صاحبها؛ لكونها نكرة، وأنت تعلم أن "من" البيانية قد تكون تجريدية، نحو: رأيت منك أسدا، جرد من الماء الحي مبالغة، كأنه هو، وإليه الإشارة بقوله: "أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه"، فأخر الظرف، وإذا جعل متعديا إلى مفعولين كان المعنى صيرنا، ف"من": إما اتصالية، أو صلة، فعلى الأول المعنى: كل حي متصل بالماء وملابس له، كقوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) [التوبة: 67]، أي: مشتبك ببعض متصل بالأسباب، وإليه الإشارة بقوله: "بسبب من الماء"، أي: مخالط به غير منفك عنه؛ لأن السبب هو: ما توصل به إلى المقصود من علم أو آلة أو قدرة، وعلى الثاني الظرف: لغو، فيحتاج "جعلنا" إلى مفعولين؛ لأن اللغو: ما يتم الكلام بدونه، وإليه الإشارة بقوله: "حيا"، وهو المفعول الثاني، والظرف لغو.

قوله: (ما أنا من دد، ولا الدد مني)، النهاية: الدد: اللهو واللعب، وهي محذوفة اللام، ولا يخلو المحذوف من أن يكون ياء، كقوله: يد في يدي، أو نونا كقولهم: لد في لدن، ومعنى التنكير في الأول: الشياع والاستغراق، وأن لا يبقى شيء منه إلا وهو منزه

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ١٠ · ص ٣٣٧