3- يتميز القرآن بالتنويع في طريقة العرض بحيث لا يتكرر مشهدان في كل تفاصيلهما أبداً على كثرة ما يعرض في القرآن من المشاهد المتشابهة ، فهي تتشابه ولكنها لا تتماثل أبداً ، لذلك تبدو في كل مرة كأنها جديدة ! وإن مشاهد القيامة والمشاهد الكونية لهي من أكثر الموضوعات تكراراً في القرآن ، ومع ذلك لا يوجد مشهد واحد مكرر بجميع تفصيلاته مرتين .. لا بد من التنويع في العرض ولو بتغيير لفظة واحدة ! وأحياناً يكون التنويع بتغيير حرف واحد يغير المعنى !
خذ مثالاً قوله تعالى في سورة البقرة : [ آية : 49 ] : ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) ، وقوله تعالى في سورة إبراهيم [ آية 6 ] : ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) .
إن الفرق بين النصين حرف واحد ، هو زيادة الواو في الآية الثانية ( ويذبحون ) ولكن هذا الحرف الواحد يغير المعنى . فالآية الأولى تحدد العذاب بأنه هو تذبيح الأبناء واستحياء النساء . أما الآية الثانية فتدل على أن العذاب كان أنواعاً كثيرة يُضاف إليها تذبيح الأبناء واستحياء النساء ! وهكذا يؤثر هذا الحرف الواحد في المعنى ويجعل الآيتين غير مكررتين كما يتبادر للذهن أول مرة ! (1) .
(1) بين الآيتين اختلاف آخر في الصياغة ، فآية سورة " البقرة " تبدأ بقوله تعالى : ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) وآية سورة " إبراهيم " تبدأ بقوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ، ولكنا اكتفينا بإبراز التغيير الذي أحدثه حرف الواو في المعنى .