(9)
نماذج لأهم ما جاءت به الرسالة من القيم العليا
1- ترسيخ عقيدة التوحيد :
كل الرسالات جاءت أساساً من أجل إحياء عقيدة التوحيد التي يكون الناس قد انحرفوا عنها إلى الشرك : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النحل : 36 ]
( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ الأنبياء : 25 ]
ومع ذلك فإن من يتدبر القرآن يلاحظ على الفور مدى العناية التي أولاها القرآن لهذه القضية الخطيرة ، بطريقة غير مسبوقة في الرسالات السابقة .
إن الله قد قدر بقاء هذه الرسالة وامتدادها إلى آخر الزمان ، وأنزلها كذلك لكل العالمين . لذلك نجد في القرآن مناقشة لكل الشبهات التي يمكن أن تخطر على البال بالنسبة لعقيدة التوحيد ، ومطاردة شديدة ودائبة لهذه الشبهات حتى تنجلي من النفوس ، وتخلص العقيدة صافية من كل غبش على الإطلاق .
حقيقة إنَّ القرآن كان يردّ على شبهات كانت قائمة وقت نزوله ؛ سواء يبن العرب الوثنيين أو بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى . ولكن العناية العظيمة التي بذلت لقضية التوحيد ليست على قدر الرد على تلك الشبهات فحسب ، بل المقصود منها ترسيخ عقيدة التوحيد في النفوس بحيث لا تقتلع بعد ذلك أبداً .
وأقوى دليل على أن هذه العناية لم يكن القصد بها مجرد الرد على الشبهات القائمة في نفوس العرب المشركين وأهل الكتاب فحسب ، إن الحديث في التوحيد ، والدعوة إلى ترسيخ الإيمان به ، وتوسيع مساحته في النفس حتى يشمل كل أقطارها ، ظل يتنزل على المؤمنين في المدينة ، حتى بعد ان آمنوا ، وحتى بعد أن قام مجتمع مؤمن يقاتل في سبيل نصرة هذا الدِّين ، ودولة تحرسه من دون المعتدين :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ) [ النساء : 136 ]