أرأيت كيف يعالج الإسلام النفس البشرية ؟ إن هذه الشهوات محببة إلى الناس كما تقرر الآية ، فهل حرمها الله في ذاتها ؟ كلا ! إنما رسم لها فقط حدوداً تكون حلالاً في داخلها ، حراماً في خارجها . وتلك الحدود هي التي لا تصلح الحياة إلا بها ، فهي إذن مفروضة . ولكن الإسلام يحبب للإنسان أن يتخفف من هذه الشهوات حتى لا تصبح شغله الشاغل ، وحتى لا تشغله عن الجهاد في سبيل الله – وهو ضرورة – أو تصده عن الإيمان بالله فتضيع آخرته : فيقول له بادئ ذي بدء : ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ) خير من الاستغراق مع هذه الشهوات ؟ الجنة بما فيها من نعيم خالد ورضوان . ولمن هذا النعيم ؟ هنا يرسم صورة جميلة شفيفة رائعة جذابة لعباد الله الذين يستحقون ذلك النعيم : إنهم الصابرون والصادقون والقانتون والمنفقون والمستغفرون بالأسحار .. صفات كلها نبيلة وحبيبة إلى النفس . والقرآن يشجع عليها بهذا العرض الرائق الجميل . أرأيت إن شغل الإنسان نفسه بتحصيل هذه الصفات الجميلة ، أيعود يستغرق في الشهوات ؟! كلا ! إنه – من ذات نفسه – سينصرف عنها ، دون إحساس بالقسر ولا بالإعنات ، وما يريد الإسلام منه في الوقت ذاته أن ينصرف عنها انصراف الرهبانية المعنت ، إنما انصراف التخفف والترفع والرضى بالقدر الطيب المعقول ..
ويفرض الإسلام صلوات محدودة في اليوم والليلة ، ولكنه يحبب في النوافل : " ما يَزالُ عَبْدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِل حّتَّى أُحبَّهُ ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ ، ويَدَهُ التي يَبْطشُ بها .. " (1) .
وكذلك يفرض صيام شهر رمضان ، ولكنه يحبب في صيام النفل .
ويفرض الزكاة بمقادير معينة في المال ، ولكنه يحبب في الإنفاق في سبيل الله .
(1) حديث قدسي رواه البخاري .