وكان الناس عبيداً بالفعل لذلك الإله . يعيشون – أياً كان مستواهم – على الصورة التي يسمح بها كسرى ، أو تسمح بها تقاليد الملك المتوارثة منذ أجيال . وحفنة من الناس يستمتعون بخيرات البلاد ، أولئك هم بلاط كسرى ، المتحكمون معه في رقاب العبيد ، أما بقية الشعب ففي حالة من الذل والفقر والعبودية لا تليق " بالإنسان " . وكانوا يساقون إلى الحروب التي يشنها كسرى أو قواده " الطموحون " يموت منهم من يموت لغير قضية يؤمن بها ، ويحيى من بقي حياً في ذل العبودية والضياع .
مظاهر " العظمة " ومظاهر " الحضارة " كلها في إيوان كسرى وقصره وبلاطه وكل ما يتعلق به ، أما " الشعب " فلا أهمية له إلا بمقدار ما يخدم مصالح أولئك السادة المتحكمين وعلى رأسهم ذلك " الإله " !
وهناك " فنون " نعم ، وإنتاج مادي .. ولكنه كله مسخر – مع الناس أنفسهم – لخدمة تلك المصالح المقدسة لا يخرج عنها !
أما العبادة الرسمية فهي عبادة النار !
ولهذه النار كهنة يسهرون على إيقادها حتى لا تنطفئ .. لأنها إذا انطفأت كان ذلك فألاً سيئاً على الإله الجالس على عرش الأكاسرة !
وأما الأخلاق فقد انهارت ، وتفشت شيوعية مزدك بما تحمل من إباحية وفوضى وانحلال .
أيّ هوان فكري وروحي ومادي كان يعيش فيه الإنسان في ظل تلك " الحضارات العظيمة " ؟!
* * *
وفي بلاد الروم لم يكن الحال أفضل من ذلك ..
فالقيصر يحاط بالهالات كما يحاط كسرى .. والناس – كحالهم في كل جاهلية – سادة وعبيد . السادة قلة ، ولكنهم يملكون كل شيء في أيديهم ، والعبيد هم الكثرة المغلوبة على أمرها ، المسخرة لمصالح السادة .