ولقد علم الله سبحانه وتعالى من طبيعة البشر ، وهو خالقهم العليم بهم (1) أنه لا يكفي في هدايتهم أن يسمعوا كلمة الحق تلقى إليهم . بل لا بد أن يروها مجسدة في كيان بشري يتمثلها ويترجمها إلى واقع حي مشاهد وملموس ، وعندئذ تكون قريبة إلى حسهم ، قريبة إلى وجدانهم ، وتكون أيسر عليهم في التحقيق وفي التطبيق .
لذلك لا ينزل الله سبحانه وتعالى وحيه في قراطيس يقرؤها الناس ، وهو القادر سبحانه – لو شاء – أن ينزل على كل بشر قرطاساً يقرؤه ! وإنما ينزل كلماته على قلب بشر ، يصنعه على عينه ، ويمنحه من الصفات ما يجعله خير أداة لحملها ، وخير نموذج لتقديمها للناس .
إن الله يدعو الناس بادئ ذي بدء إلى الإيمان به وحده بغير شريك ، ويبعث الرسل ليقولوا للناس : ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ هود : 50 ، 61 ، 84 ] .
ثم يدعوهم إلى صورة معينة من العبادة تتمثل في شعائر تعبدية وأوامر ونواهٍ تنظم حياة البشر على الأرض ، وتقيم بينهم العدل الرباني الذي ينبغي أن تقوم عليه حياتهم : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) [ الحديد : 25 ] .
ويرى الناس الإيمان المطلوب – أول ما يرونه – متمثلاً في سلوك الرسول الذي يدعوهم إليه ، فهم يرونه يدعو إلى عبادة الله الواحد غير مستند إلى جاه أو سلطان ، بل متحدياً بدعوته كل جاه أو سلطان !
(1) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الملك : 14 ] .