وهذا العلم الذي يعلّمونه لأقوامهم عن طريق توجيهاتهم ومناهجهم قد يكون مفيداً في الحياة الدنيا ( على فرض خلوه من العيوب وهو عادةً لا يخلو منها ! ) وقد يعطي الناس بعض ما يشتهونه في الحياة الدنيا من متاع يتمثل في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والسلامة والصحة والرفاهية والمال والأولاد ...
ولكنه – على فرض خلوه من النقائص والعيوب والانحرافات .. وتحقيقه لمصالح الناس في الأرض (1) – فإنه ينتهي بأصحابه إلى البوار ، لأنهم كما وصفهم القرآن : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) [ الروم : 7 ] .
إن حياة الإنسان لا تنتهي بانتهاء الحياة الدنيا ، وإنما تنتهي مرحلة منها فحسب ، وتبدأ مراحل أخرى تنتهي بالبعث والنشور ، والامتحان الذي يكرم المرء فيه أو يهان ، فيصل إلى النعيم الخالد أو العذاب المقيم .
ولو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف لصحت دعوى أولئك المصلحين فيما يدعون إليه من ألوان " الإصلاح " ! وإن كانت في واقع الأمر لا تحقق كل مصالح الناس وتورث كل جيل مفاسد الجيل الذي قبله !
فكيف والحياة التي يحياها الناس على الأرض هي أقصر مراحلها ؟! سنوات معدودة هي سنوات العمر المحدود ، وبعد ذلك من الآماد ما لا يحصيه إلا الله ! ثم بعد ذلك الخلود !
(1) رأينا من الواقع التاريخي ، والتاريخ المعاصر بصفة خاصة ، أن هذا لا يتحقق بتمامه أبداً في واقع البشر . فمن ناحية ينقسم الناس في الجاهلية دائماً إلى سادة وعبيد ، ومن ناحية أخرى تتحقق بعض المصالح دائماً على حساب المصالح الأخرى ، وتصلح بعض الأمور بفساد أمور أخرى ! ولكننا نفترض هذا جدلاً .