ثانيًا: إن الملاحظ من الآيةِ الكريمةِ التي تقول: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أن (إن) جاءت مرتين.
إن أداة شرطية تفيد بُعد حدوثِ الفعل: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أي: لو أرادت أن تتزوج من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بغير مهر .... ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
بمعني: لو أحب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وذلك لم يحدث قط ٌ أنه وافق وتزوج بزواجِ الهبة كما قال ابنُ عباسٍ - رضي اللهُ عنهما- و بعض المحققين من أهلِ العلمِ كما ستقدم معنا - إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
إن قيل: إن هناك حديثين ينفيان ما ذكرت:
الأول: صحيح البخاري برقم 4414 عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.
الثاني: صحيح البخاري برقم 4721 عن هِشَام عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: " مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ ".