الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
المسائل الزنجبارية
جاءنا من أحد فضلاء القراء في زنجبار ما يأتي ويعقبه الجواب عنه قال:
(إن لمناركم الإسلامي من المنة على المسلمين ما ظهر أثرها من تنبه
الأفكار وتبادل الآراء فيما بينهم. لا يصل أحد أجزاء المنار حتى يسير ما فيه سير
الأمثال، وتتحدث به الأندية , وإنهم لينظرون إلى ما يأتيهم من درره بفراغ الصبر
غير أنه لما نشرتم في أعداد المنار - الجزء الثاني 16 المحرم الحرام صحيفة 57
(علم الغيب للأنبياء) الجزء الرابع 16 صفر صحيفة 144 (القرآن لقضاء
الحوائج) وصحيفة 145 (المهدي المنتظر) - أنكر ما حررتموه كثير , وتوقف
قراء المنار عن اتباعهم حتى أورد عليهم المنكرون أدلة تناقض ما حررتموه
فالتمسوا أن أكتب إليكم في ذلك لتشرحوا الأدلة بنوع بسط، أما أدلة المنكرين فقد
اعترضوا جواب: (س: القرآن لقضاء الحوائج بما رواه البخاري وغيره في
حديث الرقية بالفاتحة وبغير ذلك مما ورد , واعترضوا كلامكم في المهدي المنتظر
بما أورده مفتي الشافعية بمكة السيد أحمد زيني دحلان بآخر كتابه (الفتوحات
الإسلامية) حيث حكى أن الأحاديث الواردة في المهدي منها صحيح وحسن
وضعيف وهو الأكثر , إلى أن قطع بعد ذلك بوجود المهدي وأنه قطعي، أما ابن
خلدون فلا يعتبرونه , ووسموه بأنه مؤرخ لا محدث , والمعتبر في مثل هذا أقوال
المحدثين. وأما مسألة علم الغيب للأنبياء؛ فقد أوردوا على ما حررتموه ما قرره
الصاوي في حاشيتة على الجلالين في تفسيره على آية ﴿يسألونك عن الساعة﴾ (الأعراف: 187) الآية , وما بعدها {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء
الله ولو كنت أعلم الغيب} (الأعراف: 188) وإليكم ما ذكره الصاوي بنصه:
(قوله تأكيد) أي لما قبله لبيان أنها (الساعة) من الأمر المكتوم الذي
استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحد إلا من ارتضاه من الرسل، والذي يجب
الإيمان به أن رسول الله لم ينتقل من الدنيا حتى أعلمه الله بجميع المغيبات الذي
تحصل في الدنيا والآخرة فهو يعلمها كما هي عين اليقين لما ورد: (رفعت لي
الدنيا فأنا أنظر فيها كما أنظر إلى كفي هنا) وورد أنه اطلع على الجنة وما فيها،
والنار وما فيها وغير ذلك مما تواترت به الأخبار، ولكن أمر بكتمان البعض قوله:
﴿لنفسي﴾ (الأعراف: 188) معمول ﴿لا أملك﴾ (الأعراف: 188) ، قوله:
﴿إلا ما شاء الله﴾ (الأعراف: 188) أي تمليكه لي فأنا أملكه. قوله: {ولو
كنت أعلم الغيب} (الأعراف: 188) إلخ فإن قلت: إن هذا يشكل على ما تقدم
أنه اطلع على مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب: إنه قال ذلك تواضعا , أو أن
علمه بالغيب كلا علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه فيكون
المعنى حينئذ: لو كان لي علم حقيقي بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت ...
إلخ. إن قلت: إن دعاءه مستجاب لا يرد، أجيب بأنه لا يشاء إلا ما يشاء الله،
فلو اطلع على أن الشيء مثلا لا يكون كذا لا يوفق للدعاء له إذ لا يشفع ولا يدعو
إلا بما فيه إذن من الله واطلاع منه على أنه يحصل ما دعا به وهو سر قوله تعالى:
﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة: 255) وفي ذلك المعنى قال
العارف:
وخصك بالهدى في كل أمر ... فلست تشاء إلا ما يشاء
وللخواص من أمته حظ من هذا المقام , ولذا قال العارف أبو الحسن الشاذلي:
(إذا أراد الله أمرا أمسك ألسنة أوليائه عن الدعاء سترا عليهم لئلا يدعوا فلا
يستجاب لهم فيفتضحوا) اه كلامه فالمرجو أن تبينوا ما هو الحق في المسائل
الثلاث , فقد أخذت محلا من الأفكار ولكم الأجر والثواب.
* * *
الرقى وقضاء الحوائج
والاستشفاء بالقرآن
ثبت في الأحاديث أن الله تعالى خلق لكل داء دواء عرفه من عرفه، وجهله
من جهله، ومازال الناس ينتفعون بما علموا منها ويبحثون عما جهلوا فيزدادون
علما، كذلك قد جعل الله تعالى لكل شيء سببا يتوصل إليه به. وإنما يصح كون
هذا سببا لهذا إذا كان بينهما اتصال بالتأثير والتأثر مثلا بحيث ينتفي وجود الثاني
لانتفاء الأول , ويوجد بوجوده إذا انتفت الموانع. ولم يثبت بالتجارب الصحيحة
المطردة أن تلاوة القرآن الكريم أو كتابته في الصحف تحمل أو الصحاف يؤكل منها
ويشرب سبب للشفاء من الأمراض وقضاء الحوائج، ولو ثبت لاستغنى به الناس
عامة أو المسلمون خاصة عن الطب والأطباء، وعن اتخاذ الأسباب والوسائل
المعروفة لسائر الحاجات والمصالح. فهذا دليل عقلي في الموضوع , وقد قرر
العلماء أن النصوص الشرعية إذا خالفت الأدلة العقلية ترد إليها بالتأويل إذ لا يمكن
إبطال حكم العقل لأنه أصل الإيمان، ولا يصح بدونه برهان.
ودليل ثان على ذلك وهو أنه لو أنزل القرآن لأجل المنافع الحسية الجسدية
كما نزل لأجل الهداية لذكر فيه ذلك، وعد من المعجزات لأنه يكون خارقا للعادة
ولتحدى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بذلك، ولكن شيئا من ذلك لم يكن ,
ولم يذكر العلماء في وجوه إعجاز القرآن ما ذكر , ولم يعلم أن الصحابة أو الأئمة
احتجوا على منكر بذلك.
أما إجازة النبي - صلى الله تعالى وآله وسلم - الرقية فإنني أشرحه لك بما لا
ينافي ما تقدم بالدليل، فأقول: إن الرقى والعوذ كانت من أعمال الجاهلية، وقد
نهى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عنها , وحدثت وقائع رقى فيها بعض
الصحابة فأفاد فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في العين، وفي ذي الحمة أي
لدغ ذي الحمة كالعقرب والزنبور , وفي الصحيحين: (لا رقية إلا من عين أو
حمة) , وفي رواية أخرى لأبي داود زيادة: (أو دم لا يرقأ) وفي أخرى عنده
وعند أحمد: (لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة) فضيق عليهم دائرة الرقى،
لم يأذن لهم بغيرها من العوذ والتناجيس التي كانوا يعلقونها على الأطفال وغيرهم
للوقاية من الأمراض والجن , ولا كتابة القرآن وغيره لذلك , وأرشدهم مع هذا كله
إلى أن الرقى والاسترقاء ينافي التوكل الذي هو كمال التوحيد والإيمان، ولا ينافيه
التداوي وغيره من الأسباب الصحيحة؛ لأن الانتفاع بالرقى أمر موهوم كما قال
حجة الإسلام وغيره.
روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: لما سئل عن صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب من حديث
طويل: (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم
يتوكلون) : رواه غيرهما. وروى أحمد والترمذي وحسنه والنسائي في السنن
الكبرى وابن ماجه والطبراني والحاكم والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قال: (من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل) وفي لفظ: (ما توكل من
استرقى أو اكتوى) : قال الإمام الغزالي في كتاب التوكل من إحياء علوم الدين ما
نصه:
(اعلم أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال , وليس من شروط
التوكل ترك الأسباب الدافعة رأسا , أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو
في مجاري السيل من الوادي , أو تحت الجدار المائل والسقف المنكسر؛ فكل ذلك
منهي عنه، وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة. نعم تنقسم هذه الأسباب
إلى مقطوع بها ومظنونة , وإلى موهومة. فترك الموهوم منها شرط التوكل وهي
التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكي والرقية، فإن الكي والرقية قد يقدم بهما
على المحذور دفعا لما يتوقع , وقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة. ورسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة، ولم
يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبة، والجبة تلبس دفعا للبرد
المتوقع، وكذلك كل ما في معناها من الأسباب) اه.
فالقارئ يرى أن حجة الإسلام جعل علة منافاة الرقية للتوكل كونها من
الأمور الوهمية التي لم ترتق إلى أن تكون سببا للنفع ظنيا، ولكن الدجالين الذين
اتخذوا الرقى والتمائم والتعاويذ والتناجيس حرفة يأكلون بها أموال الناس بالباطل
يوهمونهم أن حرفتهم مبنية على تعظيم القرآن وقوة الإيمان , ويجعلون الحبة قبة.
وإنما كان الأخذ بالأمور الوهمية منافيا للتوكل لأن التوكل هو كمال التوحيد والثقة
بالله تعالى، والمؤمن الكامل يجب أن يكون بعيدا عن الأوهام لاستنارة عقله وقوة
يقينه، فهو لا يأخذ إلا بالأسباب الصحيحة التي قضت حكمة الخالق ربط المسببات
بها، وينبذ الأوهام وراء ظهره فلا يكون لها عليه سلطان، وأما سبب إجازة النبي
صلى الله عليه وسلم الرقية من العين ولدغ نحو العقرب؛ فلعله الرحمة بالضعفاء
الذين جرت العادة بأن يتأثروا أحيانا بالأمور الوهمية وينتفعوا بها، وقد شرحنا ذلك
في المقالتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من مقالات (الكرامات والخوارق)
فلتراجع هناك. وأذكر هنا شاهدا: وهو أنني أعرف عالما من أجل العلماء المتقين
الذين يحاربون الأوهام أصيبت عنده امرأة بمرض عصبي تعاصى علاجه على
الأطباء وكان منشؤه الوسواس - وهو وهم - فلم ير بدا من الرضى بالتماس راق
يرقيها لاعتقادها بذلك. وهذا التعليل يظهر تمام الظهور في الرقية من العين؛ فإن
كثيرا من العلل التي ينسبها الناس إلى تأثير العين وهمية , وما عساه يصح من
تأثير العائن , فالمعقول أن يكون تأثير نفس في نفس، ولذلك عبر عن العين في
حديث أحمد وأبي داود الماضي بالنفس , وذلك أن بعض النفوس تؤثر بانفعالها في
نفس أخرى تتوجه إليها وتنظرها لاستعداد فيها لسرعة التأثر، وهذا من قبيل تأثير
حال الحزين في نفس من يراه ولكنه أقوى منه. فلا غرو أن يزيله التأثر من الرقية ,
وما هي إلا تلاوة شيء يعتقده المرقي ويتوهم نفعه , والأوهام انفعالات في النفس
يغلب أقواها أضعفها، واللدغ له تأثير حقيقي في الجسم ولكنه ضعيف في الغالب
يبرأ أحيانا بدون سبب , وكانت العرب في الجاهلية تطب اللدغ بالرقية فاعتقادهم
يغلب أحيانا على ألم اللدغة فيسرع شفاؤها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك , ثم علم أن بعض الناس ينتفعون به بحكم الوراثة وتأثير الوهم فأجازه ,
فقد روى أحمد وعبد بن حميد ومسلم وغيرهم من حديث جابر أن رجلا قال: يا
رسول الله إنك نهيت عن الرقى. أنا أرقي العقرب، فقال صلى الله عليه وسلم:
(من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه) فهي رخصة لمن علم من حاله أن للوهم
سلطانا عليه إذا احتيج إلى استعمال ذلك لنفعه , فضيق دائرة تلك الأوهام، وجعل
المأذون به على قلته منافيا للتوكل وكمال اليقين , واشترط في الرقية أن لا تكون
فيها شرك كما في حديث عوف بن مالك عند مسلم وأبي داود. ومعنى ذلك أن لا
يكون فيها استعانة بغير الله أو ما يوهم أن غير الله ينفع أو يضر.
ومن الغرائب أن النبي صلى الله عليه وسلم لدغ مرة فغشي عليه فرقاه ناس
فلما أفاق قال: (إن الله شفاني وليس برقيتكم) رواه البخاري في التاريخ وابن
سعد والبغوي والبارودي وابن السكن وابن قانع وسمويه والطبراني والدارقطني
في الأفراد عن جبلة بن الأزرق. وهو دليل على أن الرقية لا تأثير لها، وأن
نفوس المتقين لا تؤثر فيها الأوهام. وما ورد من الرقى المأثورة فأدعية وثناء
على الله تعالى.
هذا صفوة ما يقال في تحرير المقام فأين منه ما عليه الدجالون من كتابة
الآيات لغير ما أنزلت له واتخاذها تمائم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
علق تميمة فقد أشرك) رواه أحمد والحاكم عن عقبة بن عامر. وقوله صلى الله
عليه وسلم: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه
والحاكم عن ابن مسعود. وقوله: (ثلاث من السحر الرقى والتولة والتمائم) رواه
الحاكم عن ابن مسعود وغير ذلك. ولا شك أن الرقى والتمائم في هذا الزمان من
نزعات الوثنية , فإنها ليست مبنية على اعتقاد أن القرآن يرفع الضرر ويجلب
النفع لذاته معجزة، وإنما العمدة عندهم على بركة الراقي وكاتب التمائم وتأثيره،
ولذلك لا يطلبون ذلك من كل عارف بالقرآن. فانظر كيف قلبوا الدين فتركوا
الاهتداء بالقرآن وهو قد أنزل: ﴿هدى للمتقين﴾ (البقرة: 2) بل زعموا أنهم
يعظمونه بترك الأسباب والسنن الإلهية التي أرشدهم إليها والاعتماد على
الانتفاع برسم حروفه وحملها.
* * *
المسألة الثانية
المهدي المنتظر
إذا قالوا: إن ابن خلدون كان مؤرخا غير محدث فإننا نقول: إن السيد
أحمد زيني دحلان غير محدث ولا مؤرخ ولا متكلم، إنما هو مقلد للمقلدين، ونقال
من كتب المتأخرين، ينتصر للعامة وينتصرون له لشهرته بالعلم بتقليده وظيفة إفتاء
الشافعية في مكة بالشرف الذي يخضع لصاحبه أكثر العامة وإن كان أميا. وعجيب
من منتم للعلم ينكر على المؤرخ العلم بنقد رجال الحديث وهو فرع من فروع
التاريخ، ولقد كان ابن خلدون أوسع المؤرخين علما وأدقهم نقدا وأشدهم إنصافا،
وهو لم ينكر المهدي المنتظر لعدم الاطلاع على ما روي فيه ولا تقليدا لأحد من
الناس , وإنما بنى إنكاره على قاعدتين: إحداهما نقد رواة أحاديثه بنقل ما قاله أئمة
الحديث في جرحهم، والثانية: عدم انطباق مزاعم الناس فيه على أصول العمران
وسنن الاجتماع البشري من قيام الأمور العامة بالعصبية، ومن أنكر شيئا أو أثبته
بالدليل؛ فإنما يرد عليه بنقض أدلته لا بتقليد من هو دونه في كل علم بلا بينة
ولا برهان. فإن كان المنتقدون الآن يقلدون دحلان لأنه كان مفتيا في مكة من عهد
قريب فابن خلدون قد ولي القضاء في مصر أيام كانت غاصة بأشهر علماء القرون
المتوسطة الذين يقلدهم زيني دحلان , فهو أحق بأن يقلد إذ الوظائف لم تكن تعطى
في ذلك الوقت لغريب مثله إلا إذا كان نادرة الزمان، ولكنها قد تعطى لأجهل
الجاهلين في دولة آل عثمان، فقد كان عندنا في طرابلس الشام قاض شرعي إذا
صلى وسبقه الإمام لا يعرف كيف يتم الصلاة منفردا حتى إنه أخطأ في صلاة العيد.
ولا أريد بهذه الكلمة التعريض بأن السيد أحمد دحلان كان كهذا القاضي , وإنما
أريد التنبيه إلى أن ما يغتر به العامة من المناصب لا سيما في البلاد المشرفة ليس
موضعا للغرور.
نحن لا نحكم على مستقبل الزمان باستحالة ظهور زعيم للمسلمين أو إمام
عظيم يخرجون على يديه من ظلمات البدع والجهل إلى نور الهداية والعلم والعمل
النافع، بل نرجو هذا من فضل الله بتوفيق المسلمين للاستعداد لقبول ذلك , فإن الله
تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، ولكننا نقول: إنه لا دليل على أن الله تعالى كلف
المسلمين باعتقاد ظهور مصلح فيهم معروف باسمه (المهدي) ووصفه ونسبه
أوجب عليهم طاعته، وسجل عليهم أن يبقوا في الضعف والجهل والبدع والشقاء
إلى أن يظهر فيهم ويخرجهم من ذلك كما يظن الجماهير من المسلمين منذ قرون فإن
هذا الاعتقاد كان آفة عليهم في دينهم ودنياهم، ولو كلفهم الله تعالى ذلك؛ لأنزل فيه
قرآنا أو أمر نبيه بأن يبينه للناس بيانا شافيا على أنه عقيدة دينية، ولو فعل لنقل
ذلك بالتواتر قرنا بعد قرن , ودونوه في كل عقيدة وكل كتاب حديث , ولما أهمله
مالك في موطئه والبخاري في صحيحه، ولما كان رواة خبره محصورين في فرقة
واحدة من المسلمين (وهي الشيعة) فلم يوجد له سند إلا من طريقها، ولما كانت
الروايات فيه مضطربة يثبت بعضها ما ينفيه الآخر، ولما سكت علماء أهل السنة
عن الطعن في منكره، ومن أراد أن يحكم في هذه المسألة حكما صحيحا فعليه أن
يجمع كل ما رووه فيها من الأخبار مرفوعا وموقوفا ومرسلا، ومن الآثار خصوصا
ما عزي منها إلى آل البيت عليهم الرضوان والسلام. إن يفعل يظهر له فيها من
الاضطراب والتناقض والتعارض ومن لحن العبارات وأساليبها ما يجزم معه بأنها
موضوعة , وأن كثرتها وتعدد طرقها لا يزيدها إلا وهنا ووهى.
أمثل الرويات فيه ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن فمن دونهم من الكلم
المختصر , وفي بعضها أنه من ولد فاطمة , وفي بعض آخر أنه من ولد العباس،
وفي بعضها أنه يعيش ستا أو سبعا أو ثمانيا أو تسعا , وفي بعض آخر يعيش خمسا
أو سبعا أو تسعا بالأوتار , وفي بعض آخر يعيش سبعا بالجزم , وفي بعض تسعا
بالجزم، وفي بعض آخر عشرا بالجزم , وفي بعضها أنه يلي أمر الناس ثلاثين
سنة أو أربعين (ولا خير في الحياة بعده) ، وفي بعض آخر أن بعده عيسى وزمنه
خير من زمنه , وفي بعضها أن عيسى ينزل في عهده ويصلي وراءه , وفي بعض
آخر: (لن تهلك أمة أنا في أولها وعيسى ابن مريم في آخرها والمهدي في أوسطها)
وهو يناقض ما قبله , وفي بعضها: (لا مهدي إلا عيسى) وفي بعضها أن مولده
المدينة ومهاجره بيت المقدس. في بعض آخر أنه يتوجه إلى بيت المقدس فلا يبلغه
حتى يموت، وفي بعضها أنه آدم (أسمر) ضرب من الرجال، وفي بعض آخر:
وجهه كالكوكب الدري - إلى غير ذلك من الاضطراب والاختلاف.
كل هذا في الروايات التي رواها أهل السنة عن الشيعة، ومما اختص الشيعة
بروايته من الآثار عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال في المهدي: (يرفع
المذاهب فلا يبقى إلا الدين الخالص يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود
وكشف وتعريف إلهي) ثم ذكر أن أمه اسمها نرجس وهي من أولاد الحواريين.
وأنت تعرف أنه لم يكن في زمنه كرم الله وجهه مذاهب , وأن لفظ الشهود والكشف
من اصطلاح الصوفية بعده. ومن رواياتهم: أن أبا نعيم جاء أبا جعفر الصادق
عليه السلام فسأله: هل هو قائم آل محمد الذي ينظرونه؟ فقال: كلنا قائم بأمر
الله. فسأله: هل هو المهدي؟ فقال: كلنا مهدي إلى الله. حتى سأله: أنت الذي
يقتل أعداء الله ... إلخ، فقال: كيف أكون أنا وقد بلغت خمسا وأربعين وإن
صاحب هذا الأمر أقرب عهدا باللبن مني وأخف على ظهر الدابة. وروي نحوه
عن غيره منهم. ورووا عنه أنه قال: قام قائم ولد العباس عند (المص) ويقوم
قائمنا عند انقضائها (بالمرا) : أي سنة 271 ه وهو دليل على أنهم كانوا
ينتظرونه يومئذ، , والسبب في هذا معروف , وهو محاولة تأليف عصبة للقيام
بأمر الملك وجعل الخلافة في ولد الحسين.
وجملة القول أن هذه المسألة إذا أريد إدخالها في الدين كانت من مسائل
العقائد. والعقائد يجب الاعتماد فيها على اليقين، ولم تصل هذه الأحاديث الواردة
فيها إلى إفادة غلبة الظن للعلم بمنشئها , والمطاعن في أسانيدها , والاضطراب
والتناقض في مدلولاتها , ولذلك لم يذكرها المتكلمون في كتب العقائد , فلا حرج
على من أنكرها. وقد أضر المسلمين فشو القول بها إذ ظهر فيهم كثيرون بهذه
الدعوى في القديم والحديث فسفكوا الدماء، وأفسدوا عقائد كثير من المسلمين
وآخرهم مهدي السودان، والباب وخلفاؤه من أهل إيران. فعلى المسلمين أن لا
يتوكلوا على أمر إن صح بعض الأحاديث فيه أو حسن كان ظنيا ويدعوا اليقيني من
أسباب القوة والسيادة , وهو التهذيب الصحيح بالرجوع إلى سيرة السلف في الدين ,
والعلم النافع في الدنيا والآخرة , والأعمال التي توفر المال وتحمي الحوزة. فإذا قام
فيهم مع هذا قائم هاد مهدي كانوا مستعدين للاتحاد على يديه , وإلا فإن السيادة
والسعادة يستحيل وجودهما مع استدبار طريقهما الذي سنه الله لهما , والله الموفق
والمعين.
***
المسألة الثالثة
علم الغيب للأنبياء عليهم السلام
جرت سنة الله تعالى بأن يكون غلو الناس في إطراء رجال الدين من الأنبياء
وورثتهم في العلم والعمل على نسبة الجهل بالدين , فإنك تجد الفاسق من الشعراء
المتأخرين يطري بعض المشهورين بالعلم أو الصلاح بما لم يرد عشر معشاره عن
شعراء الصحابة في النبي عليه الصلاة والسلام. وقد طوح الجهل بالناس إلى إسناد
خصائص الألوهية إلى الأنبياء والصلحاء خلافا لنصوصهم الصريحة في ذلك،
ولكن منهم من صرح بإطلاق لقب الألوهية على أنبيائهم، ومنهم من صرح بمعناه
دون لفظه. وإن واحدهم ليقول الكلمة في ذلك فتجعل أصلا في الدين , ويحرف
لأجلها كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه ويحمل على غير محمله.
علمنا الله تعالى في كتابه وبسيرة خاتم رسله أن الأنبياء بشر , وأنهم عبيد لله
تعالى لا يمتازون على غيرهم إلا بالوحي الذي يلقيه سبحانه وتعالى إليهم ليبلغوه
للناس, ولا يكتموه ولوازمه. فهل يجوز لنا أن نتقال هذه النعمة الكبرى
ونستصغرها فنضيف إليها شيئا من عند أنفسنا مع قيام الدليل على خلافه , أو مع
عدم الدليل عليه؟
يقول الله عز وجل: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله
وما يشعرون أيان يبعثون} (النمل: 65) أي فإنه هو الذي يعلمه وحده. روى
أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث عائشة رضي الله
عنها أنها قالت: (من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يخبر الناس بما يكون
في غد - وفي رواية يعلم ما يكون في غد - فقد أعظم على الله الفرية , والله تعالى
يقول: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾ (النمل: 65)
فكهذا كان الصحابة يفهمون ويعتقدون، فهل كانوا ضالين في فهمهم واعتقادهم
حتى جاء الصاوي في المتأخرين الذين ليس لهم من العلم إلا التقليد والأماني
فوضعوا لنا العقيدة الصحيحة؟ حاش لله! بل كان أزواج رسول الله وأصحابه أعلم
الناس بدين الله وأفهمهم لكتابه، وليس مثل الصاوي من مقلدة المتأخرين بحجة في
فروع الأحكام الفقهية، فضلا عن العقائد الدينية، بل ليس لأحد أن يقلد في عقيدته
إماما مجتهدا، فكيف يقلد ضعيفا مقلدا.
علم الغيب لا نهاية له لأن منه علم المستقبل الذي لا نهاية له , وليس في
وسع مخلوق ولا استعداده أن يحيط علما بما لا نهاية له. فعلم الغيب كله محال
عقلا على البشر والملائكة وجميع المخلوقين، وهو ممنوع نقلا بنص الآية وما
يؤيدها من الآيات الكثيرة , فلو ورد نص بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
أعطي علم ما كان وما يكون من الغيب؛ لوجب تأويله ليوافق العقل والنقل بأن يقال:
أعطي علم ما كان في الماضي من سيرة الأنبياء مثلا وما يكون من أمر العصاة
والطائعين في الآخرة من العذاب والنعيم لأن هذا العلم هو الذي يتعلق ببعثته.
فكيف ولم يرد أن الله تعالى أطلعه على كل غيبه نخالف العقل والنقل، ونقول
على الله تعالى ورسوله ما لا نعلم! ، وقد نهانا الله تعالى عن ذلك , وعده مع
الشرك في قرن؟
لا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل الغيب لأن هذا ممنوع عقلا
ونقلا كما علمت , ولا نقول: إن الله تعالى لم يطلعه على شيء من الغيب لأن
النص ورد بأنه أطلعه وأطلع غيره من الرسل. قال تعالى: {عالم الغيب فلا
يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول} (الجن: 26-27) إلى قوله:
﴿ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم﴾ (الجن: 28) فعلم أنه يظهرهم على
الغيب الذي يتعلق به تبليغ الرسالة , وذلك مشروح في القرآن , ومنه الملائكة
والجنة والنار والحساب وغير ذلك , فالواجب في هذا المقام الوقوف عند النص لا
نتعداه بزيادة ولا نقصان لأنه ليس للعقل مجال في عالم الغيب فيقيس ويستنبط. فما
كان من النصوص قطعيا كالآيات الكريمة المصرحة بالأخبار عن الأنبياء السابقين
وأممهم , وعن الآخرة وما فيها , وعن الملائكة والجن، وعن ما وعد الله به هذه
الأمة من الاستخلاف في الأرض فإننا نؤمن به ونقول بكفر من أنكره. وما كان
منها مرويا في أخبار الآحاد فلا يكلف كل مؤمن بعلمه والإيمان به، ولكن من ثبتت
عنده الرواية واطمأن لسندها فإنه بالطبع يعتقدها , ولا نوجب عليه رفضها لأنها
غير متواترة إلا إذا عارضت دليلا قطعيا كما لا توجب على غيره قبولها هذا هو
الأصل الذي لا نزاع فيه.
وأحاديث الآحاد الواردة بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب كثيرة، وقد
ظهر تأويل المشهور منها كالإخبار بأن الله يفتح على المسلمين مصر والشام
وغيرهما من الأقطار , والإخبار بأن عمارا تقتله الفئة الباغية , وأن الحسن يصلح
الله به بين فئتين من المسلمين , وأن فاطمة عليها السلام أول أهله لاحقا به بعد
موته , وغير ذلك. ومن هذه الروايات الآحادية ما يصح سنده، ومنها الضعيف
والموضوع، ولا حاجة لنا إلى الكذب لإثبات فضله وخصائصه عليه الصلاة
والسلام , فإن الثابت منها ليس بقليل , وحسبنا قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق
عظيم} (القلم: 4) وقوله: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (النساء:
113) وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: 107) وغير
ذلك. وقد ذكر عليه السلام خصائصه ولم يرد فيها برواية صحيحة ولا ضعيفة أن
الله تعالى أطلعه على ما كان من الأزل , وما يكون في الأبد. فهل يحل لنا أن
نكذب على الله تعالى بغير علم , وندعي أن ذلك من الإيمان , والله تعالى يقول:
﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون﴾ (النحل: 105) .
وأما ما ورد من أن الجنة والنار مثلتا له في عرض الحائط أو قبلة الجدار،
ومن أنه زويت له الأرض فرأى ما يصل إليه ملك أمته منها فلا يدل على أن الله
تعالى أطلعه على ما كان وما يكون مما ليس في استعداد البشر الاطلاع عليه؛ إذ لا
نهاية له , ولا هو مما يتعلق به تبليغ الرسالة وهداية الخلق , والنصوص تنافيه.
فقول الصاوي: (والذي يجب الإيمان به ... إلخ) ، مردود لأنه زيادة عقيدة
من عقائد الدين. والله قد أتم الله الدين وأكمله على لسان رسوله صلى الله عليه
وآله وسلم , فلا نسلم لأحد أن فيه نقصا يتممه الصاوي أو الجمل أو من هو أكبر
شهرة من الصاوي والجمل كالعلماء والأئمة المجتهدين (وحاشاهم من ذلك) .
ومن العجائب أن يتجرأ مثل هذا الرجل على زيادة العقيدة في الدين ثم يجعلها
إشكالا على القرآن يستبيح به تحريفه بالتأويل لإثباتها , فيزعم أن أمر الله تعالى
لنبيه أن يقول: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ (الأعراف: 188) ليس بيانا لعقائد الدين , وإنما هو أمر بالتواضع! ! وهل يكون
التواضع بالكلام في العقيدة بخلاف الواقع؟ ؟ إن فرضنا أن هذا يجوز أن يقع
فكيف يتحقق التواضع فيه , والناس لم يعلموا أنه يعلم الغيب فيحملوا كلامه على
التواضع , لا على ظاهره؟ أم كيف يتحقق , وقد ورد نفي العلم بالغيب مورد
الاستدلال والحجة. ومن يقول تواضعا: إنني لا أعلم كذا؛ لا يقيم الحجة على عدم
علمه به. ثم إنه ينافي دعوى التواضع قوله بعد ذلك: {إن أنا إلا نذير وبشير
لقوم يؤمنون} (الأعراف: 188) فهو ينفي أن يكون له خصوصية غير التبليغ
بالإنذار والتبشير كأنه يقول: إن الله تعالى أمرني أن أبلغكم بأنني لا أمتاز عليكم
بصفات الألوهية كالقدرة على النفع والضر وعلم الغيب و {إنما أنا بشر مثلكم
يوحى إلي} (الكهف: 110) والقرآن في جملته وتفصيله مؤيد لهذه العقيدة ,
فتأويل الآية هذا التأويل البعيد لأجل حملها على هذا الاعتقاد الجديد؛ هو من تفسير
القرآن بالرأي , وفيه ما فيه من الوعيد، ولا يمكن لعاقل ولا مجنون أن يقول مثله
في سائر الآيات كقوله تعالى: ﴿لا يعلم من في السموات والأرض الغيب﴾ (النمل: 65) فاتقوا الله أيها المؤمنون، ولا يغرنكم كل ما كتبه الميتون، ولا
تقولوا على الله ما لا تعلمون، وإنني في خاتمة القول أذكر القارئ بإجماع الأمة
على أن العقائد لا اجتهاد فيها ولا يؤخذ فيها باستنباط المستنبطين، وإنما يجب فيها
البرهان المؤدي إلى اليقين، وهذا الرأي الذي أورده الصاوي لم يقم البرهان العقلي
والنقلي إلا على خلافه كما تقدم , فنحن نبرأ منه. ونسأله تعالى أن يغفره له، فإنه
لم يقله إلا بحسن نية كما هو شأن كثير من الذين شرعوا للناس من الدين ما لم يأذن
به الله، ونحمده تعالى أن حفظ أشهر المفسرين من هذا التأويل , إذ لو ابتلي مثل
ابن جرير، والبيضاوي، والرازي بمثل هذا القول لتعسر محوه من نفوس العامة.
وسنشبع القول في علم الغيب عند الكلام على كشف الأولياء في بقية مقالات
الكرامات والخوارق إن شاء الله تعالى.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>