تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

السؤال والفتوى

قصص القرآن

(س 17) الشيخ محمد نجيب بالمدرسة الشمسية بتونتار (روسيا) :

هل القصص الواردة في القرآن أنزلت لأجل الاعتبار والاتعاظ؟ أم هي

وقائع تاريخية؟ أم على التبعيض؟ أرجو بيان هذه المسألة المهمة في أحد أعداد

المنار ولكم الأجر والمنة.

(ج) تقدم الإلماع في التفسير غير مرة إلى أن قصص القرآن لا يراد بها

سرد تاريخ الأمم أو الأشخاص وإنما هي عبرة للناس كما قال تعالى في سورة هود

بعد ما ذكر موجزا من سيرة الأنبياء عليهم مع أقوامهم: {لقد كان في قصصهم

عبرة لأولي الألباب} (يوسف: 111)

ولذلك لا تذكر الوقائع والحوادث بالترتيب، ولا تستقصى؛ فيذكر منها الطم

والرم، ويؤتى فيها بالذرة، وأذن الجرة كما في بعض الكتب التي تسميها الملل

الأخرى مقدسة. وللعبرة وجوه كثيرة، وفي تلك القصص فوائد عظيمة، أذكر أنني

كتبت منها نحو ثلاثين؛ إذ وجهت نفسي للبحث عن فوائد التكرار فيها , وهذه

الوجوه تذكر مفصلة في مواضعها من التفسير الذي ننشره في المنار. وأفضل

الفوائد وأهم العبر فيها التنبيه على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري، وتأثير

أعمال الخير والشر في الحياة الإنسانية، وقد نبه الله تعالى على ذلك في مواضع

من كتابه كقوله: ﴿ وقد خلت سنة الأولين﴾ (الحجر: 13) , وقوله: {سنت

الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} (غافر: 85) يذكر أمثال

هذا بعد بيان أحوال الأمم في غمط الحق والإعراض عنه والغرور بما أوتوا ونحو

ذلك، فالآية الأولى جاءت في سياق الكلام عن المعرضين عن الحق لا يلوون عليه،

ولا ينظرون في أدلته لانهماكهم في ترفهم وسرفهم وجمودهم على عاداتهم

وتقاليدهم. والآية الثانية جاءت في سياق محاجة الكافرين والتذكير بما كان من

شأنهم مع الأنبياء، وبعد الأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم القوية

ذات القوة والآثار في الأرض، وكيف هلكوا بعدما دعوا إلى الحق والتهذيب، فلم

يستجيبوا لما صرفهم من الغرور , وبما كانوا فيه، ولم ينفعهم إيمانهم عندما نزل

بهم بأس الله وحل بهم عذاب التفريط والاسترسال في الكفر وآثاره السوءى.

وليس المراد بنفي كون قصص القرآن تاريخا أن التاريخ شيء باطل ضار

ينزه القرآن عنه. كلا , إن قصصه شذور من التاريخ تعلم الناس كيف ينتفعون

بالتاريخ، فمثل ما في القرآن من التاريخ البشري كمثل ما فيه من التاريخ الطبيعي

من أحوال الحيوان والنبات والجماد، ومثل ما فيه من الكلام في الفلك - يراد بذلك

كله التوجيه إلى العبرة والاستدلال على قدرة الصانع وحكمته، لا تفصيل مسائل

العلوم الطبيعية والفلكية التي مكن الله البشر من الوقوف عليها بالبحث والنظر

والتجربة، وهداهم إلى ذلك بالفطرة وبالوحي معا، ولذلك نقول: لو فرضنا أن

المسائل التاريخية والطبيعية المذكورة في الكتاب ليست مطابقة إلا لما يرى، أو

يعتقد الناس كلهم أو بعضهم في زمن التنزيل؛ لما كان ذلك طعنا فيه؛ لأن هذه

المسائل لم تقصد بذاتها، بل المراد منها توجيه النفوس لطريق الاستفادة بما أشرنا

إليه فتنبه.

* * *

المذاهب الاسلامية في الأصول وطريقة المنار

(س 18) أحمد أفندي صبحي بأشمون: إننا نود , وغيرنا من إخوانكم

المسلمين يودون من حضرتكم أن تدرجوا في المجلة طريقة كل مذهب من المذاهب

الأخرى مثل الشيعة والزيدية والوهابية والجبرية، وغيرهم لنطلع على ذلك،

ولنعرف ما عليه هذه المذاهب؛ فإن البعض من إخوانكم المسلمين يعتقدون أنهم

مسلمون، وعلى الكتاب الشريف، والبعض يقول غير ذلك.

(ج) كل هؤلاء الذين ذكرتم مسلمون، وأصل الدين عندهم كتاب الله تعالى

ويقرون بوحدانية الله، وبرسالة خاتم النبيين، وكون ما جاء به حقا ويقيمون

الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت الحرام، ويصبرون

على ظلم الحكومة العثمانية فيه. ولكنهم يختلفون في تأويل بعض الآيات وبيان

المراد منها , وفي رواية الحديث وسيرة السلف اختلافا قريبا أو بعيدا من الحق،

فللشيعة ومنهم الزيدية روايات غير معروفة، أو غير معتمدة عند أهل السنة،

وبذلك اختلفوا في مسائل كثيرة أغلبها في فروع الأحكام، ولهم أيضا طرق في

الاستنباط يخالفون في بعضها طرق فقهاء المذاهب الأخرى، وأما الوهابية فليس لهم

كتب تعتمد في الحديث غير كتب أهل السنة، وهم أقرب إلى العمل بالسنة من

جميع المسلمين على غلو في بعضهم، وليس من موضوع المنار تفصيل مسائل

الخلاف، وإنما هو مجلة المسلمين عامة يخاطبهم ويعظهم بالأصل المتفق عليه عند

الجميع، وهو كتاب الله تعالى، والسنة العملية التي كان عليها السلف الصالح بلا

خلاف، ويدع لهم كل ما اختلفوا فيه حتى يفيئوا إلى أصل الوفاق إن شاء الله تعالى.

فالدين واحد، والكتاب واحد، والله يقول فيه: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا

شيعا لست منهم في شيء} (الأنعام: 159) ويقول في قوم غير مرضيين عنده:

﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ (الشورى: 14) ,

ولم يسلم المسلمون مما جرى لمن قبلهم من الأمم باختلاف التأويل والروايات الآحادية

وأهواء الرؤساء والتعصب للمرشدين، ونرجو أن يعودوا بتربية الزمان القاسية إلى

الوفاق بالعود إلى الأصل المجمع عليه، وهو الكتاب والسنة العملية المتفق عليها،

ويعذر بعضهم بعضا في الروايات القولية الآحادية , مع البحث والمجادلة بالتي هي

أحسن حتى يفيء المخطئ إلى أمر الله الذي لا خلاف فيه.

هذه هي الطريقة المثلى في إرشاد المسلمين في رأينا، وقد أخطأها الوهابية

فحاولوا بغرارة البداوة، وقسوتها أن يرجعوا المسلمين عن البدع بالقوة القاهرة

فكانوا من الخائبين، وأساء الظن فيهم سائر المسلمين، ومن العجائب أن عند

المسلمين إحساسا عاما بأنه لا يصلح حالهم، ويعود مجد دينهم إلا بإبطال المذاهب

كلها، والرجوع إلى الأصل الأول، والإمام المبين، وهو القرآن إذ اتفق سنيهم

وشيعيهم على أن المصلح المسمى بالمهدي سيبطل المذاهب كلها؛ أي: أن الإصلاح

لا يكون إلا بذلك، ولكنهم جعلوا طريق ذلك غير معقول , وهو شخص مخصوص

يظهر بالخوارق دون السنن كما تقدم في الجزء الماضي.

***

إثبات الولاية بالرؤى والأحلام

(س 19) أمين أفندي عبد الكريم بالزقازيق: ما هو رأي المنار فيما رواه

مكاتب إحدى جرائد العاصمة (اللواء) بمركز ميت غمر تحت عنوان (ميت

يتكلم) وخلاصة روايته تنحصر في أنه رأى في منامه كأن شخصا يخبره بأنه

مدفون في جزيرة بقريتهم، ويسأله تكليف العمدة بنقله لقبر آخر , فقص الرجل

على العمدة رؤياه، وهذا قال له: من أين لنا معرفة محله؟ وفي الليلة التالية رأى

من أتاه أولا في نومه، يقول له: أخبر عمدتكم أن اسمي (عمرو بن وهب)

وسأجعل لكم علامة على قبري فانقلوني , فكان بعد ذلك أنهم وجدوا علامتين

عرفوا بهما محل القبر ففتحوه ووجدوا فيه ميتا نظيف الثياب أسود اللحية؛ فنقلوه

إلى قبر في غير الجزيرة إلى آخر ما في رسالة المكاتب.

هذا ملخص تلك الرواية المدهشة التي نطلب من المنار الزاهر أنه يفيض

القول عليها من جهة مطابقتها للعلم، سواء كان شرعيا أو وضعيا، مع مراعاة

الجواب على تصور وضع العلامتين، وعدم طروء التحليل على هيكل ذلك الجسم،

ووجه الاتصال بين الروح والجسد، وسماع صوت من جانب الميت على ما

ورد في رسالة أخرى بتلك الجريدة جاءت تصديقا للرواية الأولى، وذلك أن ناقلي

الميت عندما رأوا جثته ذعروا، وولوا مدبرين فسمعوا (أقبلوا أقبلوا فإن الجنة هي

المأوى) ومن هو (عمرو بن وهب) في سير السابقين إن صح في رأي حضرتكم

أن المسألة خوارق العادات، وتنطبق على الدين الحنيف من جهة إمكان وقوعها

ولكم الفضل.

(ج) أصابت الشمس جرة ماء فسخن جانبها الذي أصابته فجاء الفيلسوف

فحول الجرة، وجعل الجانب الساخن إلى جهة الأرض والجانب البارد إلى الشمس ,

ثم نادى تلامذته وسألهم يمتحنهم عن العلة في كون الجانب المقابل للشمس باردا

والجانب الملاقي للأرض الباردة سخنا؟ فطفقوا ينتحلون العلل، وهو يردها ويبين

فسادها حتى اعترفوا بالعجز، وسألوه بيان العلة الصحيحة، فقال لهم: إن الواجب

أن يتثبت في معرفة الشيء أولا، ثم يبحث عن سببه، وعلته، وما سألتكم عنه

غير حقيقي، وإنما قلبت الجرة لأختبر فطنتكم.

وهكذا نقول: أثبت لنا أن الأمر وقع حقيقة بلا حيلة، وسل بعد ذلك: هل

يصح أن نعتقد بأن الميت الذي رأوه أولا في المنام، ثم كلمهم في اليقظة، هو من

الأولياء؟ وما هو تاريخه؟ أمثال هذه الحكايات تكثر في الأمم الجاهلة المستعبدة

للخرافات، ولقد روي أمثالها عن أهل أوربا في القرون المظلمة، حتى كان في

بعض بلاد فرنسا موضع يسمونه (الشهداء) كانت الأموات تظهر فيه جهارا

لا سيما في الليل، ولماعقل الناس لم تعد تظهر! ! فمن الناس من يكذب في هذه

الحكايات المنقولة، ومنهم من يظهر غريبة من هذه الغرائب بالمواطأة مع أشخاص

آخرين لمنفعة ما، ومنهم من تعرض له شبهات في ذلك نعرف كثيرا منها، وليس

هذا موضع شرحها، ولكننا سنذكر بعض الشواهد.

أما حكم الرؤى والأحلام في الشرع فهو أنه لا يبنى عليها حكم، ولا يثبت بها

شيء من الأشياء، حتى صرح العلماء بأن من يرى النبي - صلى الله تعالى عليه

وآله وسلم - في الرؤيا ويتلقى منه أمرا أو نهيا لا يجوز له في اليقظة أن يعتمد

على ذلك؛ لعدم الثقة بضبطه لما يرى وانتفاء اختلاط الأمر عليه فيه، ولأن الله

تعالى لم يتوف نبيه إليه إلا بعد أن أتم الدين على يديه، ولم تبق حاجة إلى بيان

آخر فيه (إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن) كما ورد، ولكن عوام المسلمين

وجهالهم كجهال سائر الملل يرون أن الرؤى والأحلام من أركان العلم والعرفان،

لا سيما إذا كان موضوعها الخرافات والأوهام.

وأما القول ببقاء أجساد الأولياء بعد الموت فهو من القول بغير دليل مع تكذيب

الحس لذلك، ومخالفته لسنة الله تعالى في تحليل الأجساد {ولن تجد لسنة الله

تبديلا} (الأحزاب: 62) وورد في الأنبياء حديث عند أحمد وغيره , ولا يفيد

القطع فيعارض الحس والنص؛ لأنه من الآحاد، وورد ما يخالفه في يوسف - عليه

السلام - فقد أخرج الطبراني والحاكم من حديث أبي موسى والخرائطي في مكارم

الأخلاق من حديث علي أن موسى - عليه السلام - استخرج عظام يوسف من قبره

بأمر من الله قبل خروجه من مصر، وصيغة الأمر هكذا: (إنك عند قبر يوسف

فاحمل عظامه معك) , وفيه أنهم أخرجوا عظام يوسف والناس يزورون قبر يوسف

في جامع الخليل بفلسطين مع العلم بأنه دفن في مصر اعتمادا على هذا الحديث،

وأن موسى أحضر عظامه ودفنها هناك؛ فإذا بحثوا في سند الحديث، أو قالوا: لا

يعتمد عليه لأنه من الآحاد، نقول: نعم، ولكنه موافق لسنة الله والحديث الآخر

على كونه من الآحاد معارض بسنة الله في الخلق التي قال في كتابه، وأثبت النظر

في خليقته أنها لا تتبدل، ولا تتحول؛ فإن لم تأخذ به فلنترك كل ما يقال في ذلك،

ونهدم ذلك القبر، حتى لا نكون مزورين.

وكذلك كلام الموتى مخالف لسنن الكون الثابتة بالعقل والنقل قطعا، فلا نقول

به إلا بدليل قطعي، كأن نشاهد بأعيننا ميتا قد ثبت موته قطعا، ثم تكلم، ونحن

نسمع منه من غير مظنة شعوذة ولا تلبيس. أما طرق التلبيس في هذا المقام

فكثيرة نذكر حادثتين منها على سبيل النموذج.

في طرابلس الشام قبر ولي يسمى (سيدي عبد الواحد) في حجرة عند باب

مسجد منسوب إليه، وقد كانت الحكومة أسكنت في هذا المسجد طائفة من مهاجري

الشركس بعد الحرب الروسية العثمانية الأخيرة، وقد حدث ذات ليلة أن فر أولئك

المهاجرون من الجامع بنسائهم وأولادهم ومتاعهم زاعمين أنهم رأوا السيد

عبد الواحد الولي خرج من قبره بهيئة نورانية , وصعد المنبر ووجهه يتلألأ نورا،

وطردهم من هناك. اعترف بهذه الكرامة كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم،

وكانت شهادة حالهم أقوى دلالة على صدقهم من لسان مقالهم؛ إذ لولا ذلك لما

خرجوا من ذلك المأوى الكثير المرافق , المتدفق الأمواه بتلك الهيئة المنكرة.

حقا إنهم قد رأوا رجلا خرج من القبر يتألق وجهه نورا محسوسا , وصعد

المنبر وأشار بطردهم من المسجد، ولكن من هو ذلك الرجل؟ هل هو السيد

عبد الواحد المدفون هناك من عدة قرون كما ينقلون؟ كلا، إنه الشيخ أحمد المغربي

إمام المسجد وخطيبه، وابن ناظره ضاق بوساختهم ذرعا، ولم يجد حيلة لطردهم

من المسجد إلا هذه الطريقة؛ لأن العوام عبيد الخرافات والأوهام، وقد استحضر مادة

فسفورية , واختبأ بحيلة لم يدركوها تحت تابوت الخشب الموضوع على القبر

من أول الليل وكان أخبر بعض أصحابه بما دبره من الكيد. فلما جن الليل وأخذ القوم

مضاجعهم مسح وجهه بالمادة النيرة، ثم أحدث في مرقده اضطرابا وصوتا نبههم فهبوا

وأسرعوا إلى جهة الحجرة فرأوا التابوت قد ارتفع، وخرج من الأرض رجل

يزهر وجهه بالنور فولوا مذعورين وفتح هو الباب الذي كان يظنونه مقفلا، ولكن

مفتاحه كان معه وابتدر المنبر وأشار إليهم بوجوب الخروج من المسجد فلبوا

خاضعين خاشعين. وقد سمعت هذا الحديث منه كما سمعه كثيرون.

وحدثني إلياس أفندي الحداد الطرابلسي المقيم في القطر المصري أنه مر في

عهد الحداثة بمقبرة ليلا فرأى رجلا خرج من أحد القبور ومشى أمامه على بعد ,

ورأى معه نورا فلم يشك في أنه أحد القديسين أو الشهداء لأن اعتقاد عوام النصارى

في ذلك كاعتقاد عوام المسلمين أخذ هؤلاء عن أولئك ما أخذوه عمن قبلهم بالتقليد لما

يسمعون من العجائز والبله. فملكه الرعب ولم يكن له مندوحة عن السير، حتى إذا

قرب من العمران الذي يقصده نبح كلب على هذا الرجل النوارني الذي كان يمشي

بالنور أمام إلياس أفندي فأجابه هذا بالنباح؛ فإذا هو كلب، وإذا بالموضع الذي

خرج منه قبر منبوش، وإنما مثله الخيال رجلا لأن الرائي لم يكن يعرف أن

الكلاب ونحوها تبرق أعينها في الليل، وكانت الخرافات متمكنة من خياله، فلما

رأى شيئا غير معهود؛ إذ خرج من بطن الأرض بنور معه لم يشك في أنه مثال

لتلك الحكايات التي كان سمعها من بعض الجاهلين، وغلب خياله على حسه فكان

من الواهمين.

أمثال هذين الشاهدين يحار فيهما العقل الصغير قبل أن يسمع تأويلهما، وبيان

الحقيقية فيهما، ولكن ذلك لا يمنعه أن يصدق ما يشابههما من الحكايات مما لا يظهر

له تأويله إلا إذا نضب ينبوع الخرافات من خياله، وزال سلطان الوهم من قلبه.

وهكذا يقيس الجاهل ما لا يعرف سببه على ما لم يعرف سببه، كما يرد العاقل ما

لا يعرف إلى ما يعرف.

وقد حدث مثل هذا الحلم لرجل من أغنياء مديرية الجيزة رأى في نومه وليا

أخبره أنه مدفون في مكان كذا، وأخبره بنسبه فاشترى قطعة من الأرض بثمن غال

وبنى له فيها قبرا مشرفا، وقبة عظيمة فخسر بذلك من دينه وعقله أضعاف ما

خسر من ماله.

ومن المصائب أن الجرائد التي من وظيفتها محاربة الأوهام، هي في مصر

تزيد الناس غشا؛ فقد سمعنا أن جريدة (اللواء) لما نشرت خرافة السؤال أقرتها.

فمثل هذه الجرائد كمثل رؤساء الأديان المضلين الذين يوافقون العامة على أهوائها

لأجل الانتفاع بما عندها من الحطام، ولتمكين الجاه في نفوسها، فلا حول ولا قوة

إلا بالله العلي العظيم.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٧ · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٧ · ص ١٨١