تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: حسين الهراوي

-----------------

<span class="footnote">

الفصل الثامن

حكاية فنسنك

والمجمع اللغوي الملكي

سنوك هرجرونيه [1] هو رئيس أكاديمية هولندا، مكث سبعة عشر عاما في

جاوة مستشارا للحكومة في الشئون الإسلامية، وقيل لنا أنه أتقن العربية وادعى

الإسلام وفر إلى مكة، ومكث فيها خمسة أشهر وكان يأتم به المسلمون في صلاتهم.

وفنسنك تلميذه وساعده الأيمن الآن في هولندا، وفنسنك رئيس تحرير دائرة

المعارف الإسلامية التي ملؤها الطعن الجارح في الإسلام، والحشو بأقذر المثالب،

يحررها جماعة المستشرقين ومنهم مبشرون وقسس، وخصوصا الأب لامانس،

وتصور قسيسا مبشرا يكتب عن حياة سيدنا محمد، أو عن القرآن، أو التاريخ

الإسلامي. وأي روح تملي عليه، وأي مبلغ من المال يأخذ أجرا؟ !

ونحن نعرف الشيء الكثير عن المبشرين وطرقهم وأساليبهم، وطالما تمنيت

هذا اليوم الذي أقابل فيه سنوك هذا أو فنسنك لأقول لهم رأيي فيهم في صراحة

وجرأة، وليس الإسلام بخاف عن أحد، وليس القرآن بغريب في العالم، وليست

العقول التي تفهم بمعدومة.

إن عصابة فنسنك في تحرير دائرة المعارف الإسلامية تكتب على أسلوب

القرون المتوسطة، وتفرض على الناس فرضا أن تعلمهم كل شيء ضد الإسلام،

وأن تشعوذ في التاريخ وتخترع أساليب التهريج، كما شرحناه لك في الفصول

المتقدمة من هذا الكتاب.

واسم فنسنك دائما يتردد على لساني، وأعتقد أن هذا الرجل قضى الشطر

الأكبر من عمره يعمل على السخرية من الإسلام، ولم يفضح عمله إنسان، ولم

ينتقد سلوك هرجرونيه. ولطائفة المستشرقين تلاميذ تعلموا في أوروبا وسرقوا

مطاعنهم في الإسلام وروجوها باللغة العربية في أثواب مباحث علمية، فكان مقتي

لهذه الفئة أشد من مقتي للخواجة فنسنك.

وصدر المرسوم الملكي ووجدت فيه اسم فنسنك فنشرت في أهرام 11 من

أكتوبر سنة 1933 المقال الآتي:

لما اشتدت وطأة المبشرين في الإغواء والتضليل، وغزو عقل المسلمين

بمختلف الطرق، عكفنا على دراسة شيء غير قليل من طرقهم ومؤلفاتهم،

وخرجنا بنتيجة رسخت في عقيدتنا رسوخا قويا، هي أن المستشرقين هم طلائع

المبشرين، وأنهم هم الذين يمهدون السبيل لتشكيك المسلمين في عقائدهم، وأنهم هم

الذين يمهدون للمبشرين سبيل الطعن في الإسلام وفي نبيه الكريم وأنهم هم الذين

يزودونهم بأنواع شتى من الشعوذة العلمية باسم الاستنتاج التحليلي، وحرية الفكر،

والمباحث العلمية الحرة.

وخرجنا من كل مباحثنا هذه إلى أن المستشرقين يتعمدون - عند البحث في

كل ما يختص بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام - أن يلغموا استنتاجاتهم العلمية

بآرائهم الشخصية على ما فيها من خطأ وما فيها من غرض بما تمليه عليهم روح

الاستعمار ومقاومة الإسلام في شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو في القرآن

نفسه.

وقد قسمنا المستشرقين ثلاث فرق: قسم يختص بمباحث القرآن، وقسم

يختص بمباحث سيدنا محمد، وقسم يختص بالتاريخ العربي الإسلامي.

على أن من واجبنا أن ندرس كل مستشرق من جميع نواحيه، وندرس كل

مؤلفاته، خصوصا إذا كان ممن يبحثون في القرآن، أو حياة سيدنا محمد؛ لأن

الخطأ اللفظي في كلمة عربية قد يجر إلى البحث في العقائد الإسلامية، وقد يكون

له أثر شديد في الإسلام نفسه.

ولقد فكرنا هذا التفكير عندما أردنا أن نباحث أحد المستشرقين أو أشباه

المستشرقين، ورأيناه يقلب قواعد اللغة العربية رأسا على عقب لكي يدخل شكا في

الإسلام، وإليكم مثلا من ذلك:

كان أحدهم يدعي أن الأسماء لا بد أن يكون لها معنى. فقلنا له: إن الاسم ما

دل على مسمى وليس من الضروري أن يكون له معنى يشتق منه أو أصل معروف،

والمسألة بسيطة هكذا تعلمنا في المدارس الابتدائية، وهكذا تراها في القاموس.

فأصر على رأيه؛ ولكنه أعطانا مثلا غريبا هو أصل كلمة (حراء) وهو

اسم الغار الذي تعبد فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فقلنا: لم يرد في اللغة

العربية ما يجعلني أعرف مصدره أو معناه. فقال: إن (حراء) أصلها (هيرا)

وهو لاتيني، ومعناه المقدس.

قلت: إنني أعرف ما تريد أن تستنتج، إن (هيرا) - وهو الجبل المقدس-

هو اسم أطلقه الرومان على هذا الجبل الذي تعبدوا فيه، فأنت تجعله في مكان (جبل

الأوليمبيا) في اليونان، ويتأتى من هذا الاستنتاج أن محمدا - عليه السلام -

اتبع الأديان الأخرى، فأعطني الدليل المساوي على استنتاجك؛ لأنك تتكلم بلسان

تحركه عواطف ضد الإسلام؛ فسكت.

والحق أن عقلية هؤلاء المستشرقين وأشباههم مدهشة، فأي لفظة عربية لها

مشابه في اللغات الأخرى قالوا إن العربية استعارتها، وإذن فما قولهم في لفظة

(نبل ونبيل) التي توجد في كثير من اللغات، والعربية أيضا بنفس المعنى.

نقول: هذا مقدمة البحث الذي سنكتبه عن فنسنك، وهو الاسم الذي ورد في

ضمن أعضاء المجمع اللغوي. وسنناقش رأيه الحساب؛ لأن استنتاجاته ستؤخذ

علينا وقد أصبح عضوا رسميا علينا أن نحترم رأيه.

قالت دائرة المعارف الإسلامية تحت لفظة إبراهيم:

كان إسبرنجر أول من لاحظ أن شخصية إبراهيم كما وردت في القرآن مرت

بعدة أطوار قبل أن تصبح في نهاية الأمر مؤسسة الكعبة.

وجاء سنوك هرجرونيه بعد ذلك بزمن فتوسع في بسط هذه الدعوى، فقال:

إن إبراهيم في أقدم ما نزل من الوحي (في الذاريات: آية 24 وما بعدها، الحجر:

آية 5 وما بعدها، الصافات: آية 81 وما بعدها، الأنعام: آية 74 وما بعدها،

هود: آية 72 وما بعدها، مريم: آية 42 وما بعدها، الأنبياء: آية 52 وما بعدها،

العنكبوت: آية 15 وما بعدها) هو رسول من الله، أنذر قومه كما تنذر الرسل،

ولم تذكر لإسماعيل صلة به. وإلى جانب هذا يشار إلى أن الله لم يرسل من قبل

إلى العرب نذيرا (السجدة آية 2، سبأ: آية 43، يس آية 5) ولم يذكر قط أن

إبراهيم هو واضع البيت ولا أنه أول المسلمين.

أما السور المدنية فالأمر فيها على غير ذلك، فإبراهيم يدعى حنيفا مسلما.

وهو واضع ملة إبراهيم، رفع مع إسماعيل قواعد البيت المحرم. (البقرة: آية

118 وما بعدها، آل عمران: آية 60.. إلخ) .

وسر هذا الاختلاف أن محمدا كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن

اتخذوا حياله خطة عداء، فلم يكن بد من أن يلتمس غيرهم ناصرا، هناك هداه

ذكاء مسدد إلى شأن جديد لأبي العرب إبراهيم، وبذلك استطاع أن يخلص من

يهودية عصره ليتصل بيهودية إبراهيم، تلك اليهودية التي كانت ممهدة للإسلام،

ولما أخذت مكة تشغل جل تفكير الرسول أصبح إبراهيم أيضا المشيد لبيت هذه

المدنية المقدس.

والذي يكون خالي الذهن عن المستشرقين وأعمالهم يظن لأول وهلة أن هذا

بحث جليل مستفيض، استقصى أصحابه - إسبرنجر وسنوك وفنسنك - كل

آيات القرآن واستخرجوا منها مواضع الضعف، ويخيل إلى الناظر في هذا الموضوع

أن الإسلام قد زعزعت أركانه وأنهم اكتشفوا اكتشافا من الخطورة بمكان حين يدعون

أن محمدا - عليه السلام - أراد استغلال اليهود ثم أخفق، ثم هداه ذكاؤه المسدد

لشأن جديد لأبي العرب.

أما اليهود، فقد سبق أن شرحنا مركزهم في الكلام عن الوسط والبيئة التي

سبقت الإسلام، وأما هذه القائمة الكبيرة من الآيات التي تخدع الناظر إليها، فهي

في نظرنا دليل على الضعف المطلق، وهم بهذا أشبه بما يفعل الممثلون؛ إذا

وجدوا الرواية ضعيفة جعلوا المناظر أخاذة، وأكثروا من أشخاص الرواية ودفعوا

بين الجماهير قوما مأجورين للتصفيق.

كل هذا فكرنا فيه قبل أن نتقدم لنقد هذا البحث؛ لأننا نعرف طريقة

المستشرقين الملتوية وشعوذتهم العلمية.

وما علينا إلا أن نراجع السور المكية جميعها، والسور المدنية جميعها

ونوازن بينها لنعرف إذا كانت السور المدنية هي وحدها التي انفردت بذكر نسب

سيدنا محمد إلى سيدنا إبراهيم بأبي البيت العتيق أو لا؟ وفيما إذا كانت الحقائق

التاريخية التي في متناول يدنا تتفق مع استنباط فنسنك أم لا؟ وما غرضه في

التعريض بسيدنا محمد إلى هذه الدرجة؟

علينا إذا أن نراجع كل ذلك لنتمشى معه في بحثه، فإن كان ما قاله حقيقيا،

كان لنا أن نبحث في استنباطه أيضا وعن السبب في عدم ذكر تلك الصلة في السور

المكية؛ إذ ربما كانت من المعترف بها ولا توجد مناسبة لتوكيدها في القرآن، أما

إذا كان ما نقل من الآيات خطأ كان الرجل قد عثر من أول الطريق، فلنتركه في

تلك الحفرة التي وقع فيها، ولننظر إليه كيف يجاهد في الخروج منها؟ !

ونحن لا يخامرنا شك في أن هذا الدين متين، وأن فنسنك وإسبرنجر وسنوك

أقل علما بفهم روح القرآن، فضلا عن نقده.

إذن فلنسر في البحث على بركة الله.

قال فنسنك: إنه لم تذكر في السور المكية صلة لسيدنا إسماعيل بسيدنا

إبراهيم. فهل هذا حقيقي؟ وذكر لنا سورة الأنعام بالنص، فهل هذا حقيقي؟ لقد

ذكر الآية الرابعة والسبعين بالنص أيضا، فانظر إلى الآية السادسة والثمانين حيث

ذكر إسماعيل صراحة: {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على

العالمين} (الأنعام: 86) نعم إن أسماء الأنبياء وردت جملة؛ ولكن لكل واحد

منهم نسبه المعروف، والمسألة الجديرة بالنظر هي لماذا حذف فنسنك رقم هذه الآية

من تلك القائمة الطويلة التي استقصاها، مع أنها في نفس السورة التي ذكرها؟

الجواب سهل وهو أنها تهدم نظريته من أساسها؛ ولأن هذه الآية نسبت هؤلاء

الأنبياء إلى إبراهيم ثم إلى نوح.

ثم انظر إلى سورة إبراهيم وهي مكية إلا آيتي 28 و29، وانظر إلى الآية

37 وما بعدها حيث يقول إبراهيم: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي

زرع عند بيتك المحرم} (إبراهيم: 37) إلى قوله تعالى {الحمد لله الذي وهب

لي على الكبر إسماعيل} (إبراهيم: 39) .

إذن فقد ورد في السور المكية التي اعتمد عليها فنسنك أن إسماعيل هو ابن

إبراهيم، وأن إبراهيم دعا ربه عند بيت الله المحرم، وقد ذكر هذا البيت في السور

المكية التي أنكر وجودها فنسنك.

نحن لا ندهش من اكتشاف الحقيقة فما كنا نشك فيها؛ ولكننا ندهش أن قوما

ينتسبون للعلم ويخدعون الناس جهلا أو تجاهلا.

المسألة الثانية:

هل ورد في الآيات التي ذكرها فنسنك أن الإسلام دين قديم يمت إلى ملة

إبراهيم؟ وإذا كانت هذه الحقيقة وردت، فلماذا لم يذكرها فنسنك؟

ارجع إلى نفس السور التي ذكرها فنسنك، ففي الذاريات في الآية 23 وما

بعدها تجد حديث ضيف إبراهيم المكرمين يبشرونه بابنه، ويقصون عليه قصة

لوط ومدينته، وفي الآية 35 يقول: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما

وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} (الذاريات: 35 - 36) .

إذن ففي هذه الآية اعتراف صريح أن الإسلام هو دين قديم وهو ملة إبراهيم؛

حيث يحدثه ضيفه عن بيت المسلمين.

إذن فدعوى فنسنك كلها خطأ. واستنتاجه كله خطأ.

المسألة الثالثة:

يقول فنسنك إن آيات السجدة وسبأ ويس تشير إلى أن الله لم يرسل من قبل

للعرب نذيرا، ولم يذكر قط أن إبراهيم هو واضع البيت، ولا أنه أول المسلمين.

يريد فنسنك أن يقول - بعبارة أخرى - إن التاريخ المأخوذ من الأناجيل هو

الحقيقة، وإن إبراهيم لم يذهب إلى مكة، وإن هذه الدعوى لم تذكر في القرآن إلا

بعد الهجرة إلى المدينة.

وسياق هذه السورة من الآية 35 وما بعدها: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل

هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس

فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إني أسكنت من ذريتي

بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس

تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} (إبراهيم: 35 - 37) .

هذا يدل دلالة واضحة على أن إبراهيم كان أول من أسس هذا المكان المنعزل

السحيق في واد غير ذي زرع لا تهوي إليه أفئدة الناس ولا رزق فيه، فدعا ربه

فاستجاب له.

على أنه يؤخذ من ذلك أيضا أن هذا كان أول عهد هذا المكان بالأنبياء

وبتأسيس البيت، ولم يذهب إبراهيم ليقيم دينا جديدا بين الناس في بلد آهل، وهذا

يستقيم مع معني آية 44 من سبأ في قوله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها

وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} (سبأ: 44) .

يكفي أن نذكر لفنسنك أنه لم يذكر الحقائق ولم يستقص مبحثه. وأنه يستنبط

قبل أن يبحث.

أما الغرض من ذلك فواضح؛ لأن الاستشراق مهنة ضد الشرق، وضد

الإسلام.

* * *

تاريخ هذا العدد

وضع تاريخ العدد الثالث نفسه على هذا العدد وصحة التاريخ أنه: 9 صفر

سنة 1355 - 30 إبريل سنة 1936.

* * *

فرصة لمشتركي المنار

رأينا أن نخفض لمشتركي المنار قيمة الاشتراك إذا سددوا اشتراك المجلد

الخامس والثلاثين، وذلك لنهاية رجب القادم، فجعلناه خمسين قرشا للمشتركين في

خارج القطر المصري، وثلاثين للمشتركين في مصر، فعلى الذين يحبون المنار

أن يعملوا بالسداد انتهازا للفرصة، ومساعدة لنا إذا أرادوا حياة المنار، ولهم الشكر

سلفا.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) ولد في 8 فبراير سنة 1857 وتوفي في 4 يوليو سنة 1936.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٥ · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٥ · ص ٣١٦