تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الاستفتاء في حقيقة الربا

يعلم قراء المنار أن مسألة الربا أعظم المشكلات الإسلامية المدنية التي شغلت

بال الحكام والزعماء والعلماء في هذا العصر، ولدينا أسئلة كثيرة في معاملات

المصارف المالية (البنوك) والشركات والعقود التي فيها شيء مما يعده الفقهاء من

المعاملات الربوية، وردت في تواريخ مختلفة، وكنا نرجئ الجواب عنها إلى

فرصة يتاح لنا فيها حل هذه المشكلة بتفصيل يشمل هذه الفروق أو يبنى عليه بيان

حكمها، وقد فتحت لنا هذا الباب حكومة حيدر أباد الدكن الهندية الإسلامية منذ

أشهر قليلة إذ نشرت في الأمصار الإسلامية الكبرى رسالة في حقيقة المسألة، وهي

فتوى لبعض العلماء هناك في محاولة تحرير الموضوع، طبعتها الحكومة الآصفية

ووزعت بأمر الصدارة المالية والمحكمة الشرعية فيها على العلماء المشهورين في

الأقطار الإسلامية طالبة منهم بيان آرائهم فيها بالدليل الشرعي وإرسال الأجوبة

بعنوان (معين صدر الصدور - محكمة الصدارة العالية) في تلك العاصمة، وقد

أرسلت إلينا ثلاث نسخ من هذا الاستفتاء: واحدة خاصة بنا، والأخريان لصاحبي

الفضيلة شيخ الأزهر والشيخ محمد بخيت أرسلناهما إليهما، وها نحن أولا ننشر

نص الاستفتاء بحواشيه، وبعد نشره نبين رأينا فيه، ثم نشرع بعد ذلك في نشر تلك

الأسئلة أو ما يغني منها عن غيره ونجيب عنها أجوبة مختصرة يغنينا تحرير حقيقة

الربا عن الإطالة فيها، إن شاء الله تعالى.

وليعلم القراء أننا ننشر هذه الفتوى الطويلة مع حواشيها بنصها المطبوع، ولا

نعنى بتصحيح شيء منها ولا بالتعليل على ما نراه منتقدا من عباراتها أو معانيها

في أثناء نشرها إلا ألفاظا قليلة للكاتب عذر فيها كرسم الربا برسم المصحف

(الربوا) وكذا رسم الصلاة والزكاة بالواو وهي طريقة إخواننا مسلمي الهند.

بسم الله الرحمن الرحيم

(حامدا ومصليا)

{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله

عليه توكلت وإليه أنيب} (هود: 88)

وبه نستعين

اعلموا أن الله حرم الربا في القرآن بقوله جل ثناؤه: {وأحل الله البيع

وحرم الربا} (البقرة: 275) قال ابن كثير في تفسيره: باب الربا من أشكل

الأبواب على كثير من أهل العلم اه. فلو لم يفسره الفقهاء المجتهدون - شكر الله

مساعيهم - لما اتضح لنا حقيقته، فعلينا أن ننقل ما روي عن أئمتنا في تفسيره:

قالوا: إن الأمة اتفقت على أن المعنى اللغوي ليس مرادا [1] في الآية؛ لأن

الربا في اللغة: الزيادة مطلقا، وهي أعم من كل زيادة، وظاهر أن كل فرد من أفراد

الزيادة ليس بحرام بل بعضها حرام. وبعد اتفاقهم عليه تشعبوا فرقتين، فالأئمة

وجمهور العلماء عينوا هذه الأفراد بالسنة، وهو الفضل الذي وردت السنة بكونه

ربا فهو حرام عندهم، أعني الفضل في البيع، فالربا عندهم منحصر في البيع لا

غير، وذهب البعض إلى أن اللام في (الربا) للعهد، والمراد به ربا الجاهلية،

فالمآل على هذا التفسير أن القرآن حرم ربا الجاهلية، ولما لم يثبت صورة ربا

الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن لم يلتفت الأئمة والجمهور إليه، وقالوا:

إن ربا القرآن مجمل والحديث مفسر له، قال القاضي سناء الله في تفسيره المظهري:

قال جمهور [2] العلماء: هذا مجمل؛ لأن طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في

الجملة، فالمحرم إنما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك إلا من قبل الشارع فهو

مجمل، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التحقه بيانا. قال الجصاص الرازي

الحنفي: وهو (أي الربا) يقع على معان لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة. وبعد

سرد الأدلة على إجمال الربا قال: فثبت بذلك أن الربا قد صار اسما شرعيا؛ لأنه لو

كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر لأنه كان عالما بأسماء اللغة؛

لأنه من أهلها اه. ثم قال: وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء

المجملة المفتقرة إلى البيان، وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن

الاسم موضوعا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة اه[3] . وفي جواب

استدلال الشافعية عن كون علة الربا مأكولا قال الجصاص الرازي: فهذا عندنا لا يدل

على ما قالوا من وجوه (أحدها) ما قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع وافتقاره إلى

البيان، فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أخرى أنه ربا

حتى يحرمه بالآية. انتهى. وقال صدر الشريعة الحنفي: والمجمل كآية الربا؛ فإن

قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ (البقرة: 275) مجمل لأن الربا في اللغة هو

الفضل، وليس كل فضل حراما بالإجماع، ولم يعلم أن المراد أي فضل، فيكون

مجملا، ثم لما بين النبي صلى الله عليه وسلم الربا في الأشياء الستة احتيج بعد ذلك

إلى الطلب والتأمل ليعرف علة الربا في غير الأشياء الستة [4] ، وكذا في شرح

التحرير لابن الهمام وفي المسلم وفواتح الرحموت ومرقاة الوصول وشرحه مرآة

الأصول وغيرها من كتب الأصول.

قال العلامة النسفي في كشف الأسرار: وكذلك آية الربا مجملة لاشتباه المراد،

وهذا لا يدرك بمعاني اللغة بحال فهو في اللغة الفضل؛ ولكن الله تعالى ما أراده.

وقال العلامة نظام الدين الشاشي: المجمل هو ما احتمل وجوها فصار بحال لا

يوقف على المراد إلا ببيان من قبل المتكلم، ونظيره في الشرعيات قوله تعالى:

﴿وحرم الربا﴾ (البقرة: 275) قال ابن نجيم في فتح الغفار: وليس المراد أن كل

مجمل بعد بيان المجمل يحتاج إلى الطلب والتأمل، فالصلاة بيانها شاف فلم تحتج

إلى تأمل بعده، وبيان الربا غير شاف - صار به المجمل مؤولا وهو يحتاج إلى

الطلب والتأمل كما في الكشف، فالرجوع إلى الاستفسار في كل مجمل، والطلب

والتأمل إنما هو في البعض [5] .

قال صاحب فصول البدائع في حكم المجمل: هو التوقف إلى الاستفسار مع

اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالا ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا؛ فإن

حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالإجماع [6] . قال عبد العزيز

البخاري في شرح الأصول للبزدوي: والحاصل أن المجمل قسمان: ما ليس له ظهور

أصلا كالصلاة والزكاة والربا أو ما له ظهور من وجه كالمشترك [7] .

وإذا ثبت من هذه النقول أن الربا الذي وقع في القرآن مجمل، وثبت أيضا

أنه لا يثبت منه حكم بدون تفسير الشارع عليه السلام، فحينئذ علينا أن نحرر

التفسير الذي ورد عنه عليه السلام، وهو ما روى عبادة وأبو سعيد وأبو هريرة

وعمر وغيرهم في بيع الأشياء الستة بصورة مخصوصة، وقد جعله الفقهاء أيضا

بيانا للربا كما قال ابن عابدين في نسمات الأسحار: كبيان الربا بالحديث الوارد في

الأشياء الستة وفي نور الأنوار: كالربا في قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ (البقرة:

275) فإنه مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الحنطة بالحنطة)

الحديث، قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير لابن الهمام: كبيان الربا بالحديث

الوارد في الأشياء الستة في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى

الله عليه وسلم (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير،

والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فمن زاد [8] أو

استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء) وكذلك يلحق في تفسير إجمال الآية

حديث أسامة بن زيد (الربا في النسيئة) أخرجه مسلم.

ولا يصح تفسيره بالحديث الذي روي عن جابر وعمرو بن الأحوص بلفظ

(إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب) لأنه

لم يظهر تفسير ربا الجاهلية من حديث مرفوع متصل إلى الآن حتى يكون بيانا له،

وكيف وهو مجمل كربا القرآن؟

فعلى هذا حقيقة الربا: الفضل الذي يكون في البيع، سواء كان فضل عين أو

أجل، وإذا بيع شيء من هذه الستة وما في حكمها من جنسه فالفضل والأجل

كلاهما ربا، وإذا بيع منها شيء بغير جنسه فالأجل فقط ربا وهو ربا النساء، وكذلك

الزيادة على الثمن المؤجل إذا لم يقض الثمن عند حلول الأجل، ربا، وهو ربا

النسيئة.

ففي الأولى أي إذا وقع بيع جنس بجنس، فلابد لجواز البيع من أمرين:

الأول المساواة في الكيل أو الوزن، والثاني قبض البدلين في المجلس.

وفي الثانية إذا كان الجنسان من هذه الأشياء الستة وما في حكمها مختلفين،

فلا يشترط ههنا إلا القبض في المجلس، ولا يشترط المساواة كيلا أو وزنا.

(وفي الثالثة) أي إذا كانت الأشياء من غير هذه الستة وما في حكمها لا

يجوز الفضل على الثمن المؤجل بعد حلول الأجل إن لم يقض هذا الثمن بمقابلة

الأجل.

والأصل فيه أن المتبايعين يريدان المساواة في البدلين وعليه مدار عقد البيع،

فلهذا وضع لها الشارع عليه السلام أصول وقوانين يعرف بها المساواة والفضل

الذي يحكم عليه الشرع بأنه ربا (الأول) أن للنقد مزية على النسيئة (والثاني)

إذا كان البدلان - كيليا أو وزنيا - فلا بد أن يكونا متساويين في الكيل أو الوزن

(والثالث) إذا كان أحد البدلين غير المكيل والموزون فما تراضى عليه العاقدان فهو

بدل الآخر ومساو له، ومن هذه الأصول يعلم ما جعل الشارع عليه السلام من

الفضل ربا في البيع والشراء.

فالفضل والأجل كلاهما ربا في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون من

جنسه؛ لأنه فضل حقيقة أو حكما ولا دخل فيه لتراضي العاقدين والبيعين؛ فإن

تراضي البيعين في أمثال هذا البيع بالفضل أو الأجل أو بكليهما لا يصحح هذا البيع،

ويكون الفضل والأجل كلاهما ربا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من زاد) أي

أعطى الزيادة (أو استزاد) أي طلب الزيادة (فقد أربى) وفي المدونة أن أبا بكر

الصديق رضي الله عنه راطل أبا رافع فوضع الخلخالين في كفة فرجحت الدراهم،

فقال أبو رافع: هو لك أنا أحله لك، فقال أبو بكر: إن أحللته لي فإن الله لم يحله

لي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (الذهب بالذهب وزنا بوزن،

والورق بالورق وزنا بوزن، الزائد [9] والمزاد في النار) [10] وعند اختلاف الجنس

من هذه الأشياء لم يجعل الشارع المساواة باعتبار التساوي كيلا ووزنا حتى لم يحرم

في هذه الصورة الفضل كيلا أو وزنا؛ لأنه أمر غير معقول، بل جعل المساواة

المطلوبة ما تراضى عليها العاقدان والبيعان من كون أحدهما مساويا للآخر، نعم جعل

للنقد مزية على النسيئة فيكون الأجل ربا ولا يعد التراضي فيه شيئا بل يصير ملغى،

وإذا اختلف جنس البدلين من غير هذه الستة بأن يكون المكيل في طرف وغيره في

طرف آخر، فالمساواة المطلوبة هي ما تراضى عليها العاقدان، ولم يكن الأجل ربا

في هذه الصورة لأنه خلاف القياس، ونحوه ينحصر فيما ورد فيه النص بشرط أن

يكون الأجل من أحد المتعاقدين لا من كليهما لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع

الكالئ بالكالئ وإذا عين الأجل بالتراضي، فإذا حل الأجل ولم يقض المديون وطلب

النظرة وزاد بها في الثمن فتكون هذه الزيادة ربا أيضا؛ لأنه فضل على ما تراضى

عليه البيعان أولا وجعلاه مساويا للآخر، فهذه الزيادة لا محالة تكون بمقابلة الأجل ولا

قيمة للأجل مستقلا عند الشارع، فتكون هذه الزيادة فضلا محضا وهو عين الربا.

الحاصل أن هذه الأحاديث المفسرة لربا القرآن تدل على أن في بيع أحد

المتجانسين من الأشياء الستة وما في حكمها الفضل والأجل: كلاهما ربا، وفي بيع

أحد المتجانسين منها بخلاف جنسه: الأجل فقط ربا، لا الفضل، وهو ربا النسيئة،

وفي البيع بثمن بمؤجل ما يزاد على النسيئة أي الثمن المؤجل عند حلول الأجل

بمقابلة الأجل ربا وهو الربا في النسيئة، وجميع هذه الأقسام تنحصر في البيع،

فالربا ثلاثة أنواع وكل منها حرام بالقرآن؛ لأن المجمل من الكتاب إذا لحقه البيان

كان الحكم بعده مضافا إلى الكتاب لا إلى البيان في الصحيح [11] الاثنان منها ما

يفسره حديث عبادة بن الصامت، وأبي سعيد وغيرهما، والثالث ما يفسره حديث

أسامة بن زيد.

قال القسطلاني في شرح البخاري: وهو (أي الربا) ثلاثة أنواع، ربا

الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع

تأخير قبضهما أو قبض أحدهما وربا النساء [12] وهو البيع لأجل وكل منها حرام

[13] .

قال صاحب تفسير السراج المنير: وهو لغة: الزيادة، وشرعا: عقد على

عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في

البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواع: ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين

على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء

وهو البيع إلى أجل، وفي هذه الأقوال دلالة واضحة على أن الأنواع الثلاثة للربا

منحصرة في البيع، فعلى هذا لا يوجد الربا في عقد خلا البيع، قال ابن كثير في

تفسير سورة الروم: وقال ابن عباس: الربا ربوان، فربا لا يصح، يعني ربا البيع،

وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها [14] ، وفيه تصريح منه

رضي الله عنه على أن الربا الذي لا يجوز هو ربا البيع فقط، وما خلا ربا البيع فلا

بأس به. قال العلامة العيني في شرح الهداية: ولما فرغ عن بيان أبواب البيوع التي

أمر الشارع بمباشرتها بقوله: ﴿وابتغوا من فضل الله﴾ (الجمعة: 10) مع أنواعها

صحيحها وفاسدها شرع في بيان أبواب البيوع التي نهى الشارع عنها بقوله تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ (آل عمران: 130) اه. ثم قال: وقال

علماؤنا: هو نوع بيع فيه فضل مستحق لأحد المتعاقدين خال مما يقابله من عوض

شرط في هذا العقد اه. وكذا في العناية، ولذا قال العلامة السرخسي في حده: وفي

الشريعة: هو الفضل الخالي عن العوض المشروط [15] في البيع (مبسوط) وما قال

صاحب الهداية: أعني: الربا هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين في المعاوضة

الخالي عن عوض شرط فيه فيأول إليه. قال شارحه: الربا هو الفضل الخالي عن

العوض المشروط في البيع (عناية) وفي الملتقى: الربا فضل مال خال عن عوض

شرط لأحد العاقدين في معاوضة [16] مال بمال، وفي العالمكيرية: الربا في الشريعة

عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال.

قال صدر الشريعة في التوضيح: وأما المخصوص بالكلام فعند الكرخي لا

يبقى حجة أصلا معلوما كان أو مجهولا كالربا حيث خص من قوله: {وأحل الله

البيع} (البقرة: 275) اه. يعني أن البيع عام يشمل الربا وغيره، وخص

منه الربا فلو لم يكن الربا فردا من أفراد البيع وداخلا تحته كيف يصح تخصيصه

من البيع؟ قال فخر الإسلام البزدوي: وخص الربا من قوله: {وأحل الله البيع

وحرم الربا} (البقرة: 275) اه. وقال ابن عابدين الشامي: الربا خص من

﴿وأحل الله البيع﴾ (البقرة: 275) بقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ (البقرة:

275) (نسمات) .

قال الملا أحمد جيون: نظير الخصوص المعلوم والمجهول قوله تعالى:

﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (البقرة: 275) فإن البيع لفظ عام لدخول لام

الجنس فيه، وقد خص الله منه الربا وهو في اللغة الفضل، ولا يعلم أي الفضل يراد

به؟ لأن البيع لم يشرع إلا للفضل فهو حينئذ نظير الخصوص المجهول، ثم بينه

النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر

بالتمر) الحديث (نور الأنوار) .

خلاصة الكلام أن القرآن حرم الربا، وكان لفظ الربا فيه مجملا والسنة

الصحيحة فسرته بالأقسام التي كلها تندرج في البيع؛ ولهذا خصص الفقهاء الربا

بالبيع، قال العلامة الشاشي في حده: الربا هو الزيادة الخالية عن العوض في بيع

المقدرات المتجانسة. وفي النقاية: الربا هو فضل خال عن عوض بمعيار شرعي

بشرط أحد المتعاقدين في المعاوضة (منح الغفار شرح تنوير الأبصار) .

قال محمد رحمه الله: والربا إنما يتحقق في البيع لا في التبرع بعد قوله؛

لأن القرض أسرع جوازا من البيع؛ لأنه مبادلة صورة تبرع حكما اه (نشر

العرف) قال شيخ الإسلام المرغيناني: وهو الربا يعمل في المعاوضات دون

التبرعات (كتاب الهبة) قال ابن عابدين ناقلا عن الزيلعي: وهو (أي الربا)

مختص بالمعاوضة المالية دون غيرها من المعاوضات والتبرعات [17] .

وقال العلامة الشيخ زادة في مجتمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: وهو

مختص بالمعاوضات المالية دون غيرها من غير المالية والتبرعات، وقال ملك

العلماء العلامة الكاساني: فلا يتحقق الربا إذ هو مختص [18] بالبياعات وعليه يدل

ما مر عن المبسوط والهداية وغيرهما.

فحينئذ ظهر أن النفع المعين المشروط في القرض ليس من الربا المنصوص؛

لأن الآية كانت مجملة لا يفهم منها المراد والأحاديث المفسرة لها كلها في البيع لا

في غيره؛ ولهذا صرح فقهاؤنا بأن الربا يتحقق في البيع لا في التبرع؛ ولعلهم

أنكروا [19] كونه نصيا كما يدل عليه ما قال ملك العلماء في البدائع؛ ولأن الزيادة

المشروطة تشبه الربا [20] فلا يكون الشبيه بالربا عين الربا، وأيضا يظهر من كلام

العلامة العيني أن هذا النفع عنده ليس هو الربا المنصوص؛ لأنه يظهر من كلامه

الذي سيأتي أنه لم يظفر بحديث صحيح في هذا الباب بعد تجشمه وتفحصه مع سعة

نظره وكثرة اطلاعه على الحديث وطرقه ولو كان منصوصا لم يحتج إلى هذا

التجشم والتفحص.

والحديث الذي أخرجه صاحب (بلوغ المرام) عن علي وجرى على ألسنة

العوام والخواص بلفظ (كل قرض جر منفعة فهو ربا) لا يجوز أن يقع تفسيرا

للقرآن؛ لأنه غير ثابت ولا أصل له، قال ابن حجر: فيه الحارث بن أسامة،

وإسناده

ساقط، وقال الحافظ جمال الدين الزيلعي في نص الرواية: ذكره عبد الحق في

أحكامه في البيوع وأعله بسوار بن مصعب وقال: إنه متروك، وكذا نقل عن أبي

الجهم في جزئه أن إسناده ساقط وسوار متروك الحديث، قال البخاري في كتابه

(الضعفاء الصغير) سوار بن مصعب منكر الحديث، وقال يحيى: يجيء إلينا وليس

بشيء، وقال النسائي وغيره: متروك، وكذا قال ابن الهمام في الفتح، ولذا قال: هو

أحسن ما ههنا عن الصحابة [21] وعن السلف؛ لأن هذا الحديث عنده كان غير صالح

للاحتجاج، وعلم منه أنه ليس في الباب حديث صحيح قابل للاحتجاج.

ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص عن عمر بن بدر أنه قال في المغني: لم

يصح فيه شيء اه. وأما ما قال الغزالي وشيخه: أنه صح، قال الشوكاني في

النيل: لا خبرة لهما بهذا الفن، ويدل على هذا المعنى ما قال المفسر الخازن:

(المسألة الرابعة) في القرض وهو من أقرض شيئا وشرط عليه أن يرد عليه أفضل

منه فهو قرض جر منفعة، وكل قرض جر منفعة فهو ربا، ويدل عليه ما روي عن

مالك قال بلغني أن رجلا أتى ابن عمر ... إلخ [22] . لأنه لو كان عنده حديث (كل

قرض) صحيحا قابلا للحجة لم يعدل عنه إلى أثر ابن عمر، وكذا العلامة العيني

نقل أولا تضعيف هذا الحديث عن غير واحد من الأئمة، ثم قال: قال الأترازي

مع دعاويه العريضة: والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض

جر نفعا وسكت عنه، وكذا قاله الأكمل وسكت عنه مع أنه [23] كان في ديار

الحديث وكتبه المنوعة والله أعلم (شرح هداية) وفيه دلالة على أن [هذا] الحديث

ليس له طريق صحيح وإلا لأتى به، وكذا لو كان في معناه حديث صحيح لم يترك

إيراده في هذا المقام.

وكذا لا يصح [24] تفسير إجمال الآية بالحديث [25] الموقوف على عبد الله بن

سلام الذي رواه بردة عند البخاري بلفظ: قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام،

فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقا وتمرا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك بأرض الربا

فيها فاش إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل

قت فلا تأخذه. لأنه لابد للتفسير من بيان الشارع عليه السلام، وهذا الحديث [26]

الموقوف ليس في حكم المرفوع، وثانيا أنه متروك العمل باتفاق الأمة، وثالثا

تعارضه الأحاديث الصحيحة، ورابعا لما قال العلامة عبد العزيز البخاري في شرح

كشف الأسرار للبزودي في تفسيره البيان القاطع الذي يلحق المجمل: احتراز عما

ليس بقاطع ثبوتا أو دلالة حتى لا يصير المجمل مفسرا بخبر الواحد وإن كان قطعي

الدلالة ولا بيان فيه احتمال، وإن كان قطعي الثبوت - وكذا أثر عبد الله بن مسعود

رضي الله عنه الذي رواه يونس وخالد بن سيرين عن عبد الله بن مسعود أنه سئل

عن رجل استقرض من رجل دراهم ثم إن المستقرض أفقر من المقرض ظهر دابته

فقال عبد الله: ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا - لما بينا ولما قال البيهقي: قال

الشيخ أحمد: هذا منقطع (إزالة) لو قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا الأثر الموقوف

في حكم الحديث المرفوع؟ قلنا: له شرط وهو أن لا يكون مدركا بالقياس، وههنا هو

مدرك بالقياس كما صرح العلماء بذلك، قال ابن رشد الفقيه المالكي في المقدمات: إن

رجلا أتى عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلا واشترطت

أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله بن عمر ذلك الحديث بطوله، وقال رضي الله عنه:

من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فهو ربا. اه.

فهذا الفقيه أنكر كونه ربا منصوصا وجعله ربا قياسيا كما يدل عليه قوله: وتفسير ذلك

(أي قول ابن عمر فهو ربا) أنه مقيس على الربا المحرم بالقرآن، ربا الجاهلية: إما

أن تقضي وإما أن تربي؛ لأن تأخيره الدين بعد حلوله على أن يزاد له فيه سلف جر

منفعة [27] على أن الفقهاء لم يتمسكوا بهذا الحديث والأثر من لدن رسول الله صلى الله

عليه وسلم إلى زماننا هذا، ولم يفتوا بحرمة أمثال هذه المنافع مطلقا، بل اتفقوا على

أنها لا تكون ربا إلا أن تكون مشروطة في العقد، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار

والأحاديث الواردة في هذا الباب لأنها تدل على حرمة كل منفعة سواء شرطت أو لم

تشترط مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق، قال العيني: وفيه ما يدل أن المقرض

إذا أعطاه المستقرض أفضل مما اقترض جنسا أو كيلا أو وزنا أن ذلك [28] معروف

وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أثنى فيه على من أحسن القضاء،

وأطلق ذلك ولم يقيده (قلت) هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن عن شرط منهما حين

السلف، وقد أجمع المسلمون نقلا [29] عن النبي صلى الله عليه وسلم أن اشتراط

الزيادة في السلف ربا. اه[30] .

قال ابن حجر في باب استقراض الإبل تحت حديث أبي هريرة: وفيه جواز

وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، فيحرم حينئذ

اتفاقا، وبه قال الجمهور. اه. ولما كان هذا الأثر عن عبد الله بن سلام مخالفا لما

عليه الجمهور تأول ابن حجر قوله رضي الله عنه: (فإنه ربا) وقال: يحتمل

أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربا إذا شرط، نعم

الورع تركه. اه. وأيضا لما أخرج البخاري هذا الحديث بطريق آخر وليس فيه

ذكر الربا، فهناك قال ابن حجر: زاد البخاري في مناقب عبد الله بن سلام ذكر

الربا، وههنا فسر الربا المراد في قوله رضي الله عنه بقوله: وإن من اقترض قرضا

فتقاضاه إذا حل فأهدى إليه المديون هدية كانت من جملة الربا [31] فثبت من هذه

الأقوال أنه لم يقل أحد من العلماء: إن الفضل والزيادة إذا كانت غير مشروطة في

القرض عند العقد أنه ربا سواء كان في صورة الهدية أم في صورة العارية أم في

غيرهما، فهذا الأثر وما ورد نحوه غير معمول به عند الأمة.

وقد ذهب الجمهور إلى جواز ما كان بدون شرط في العقد لما دلت عليه

الأحاديث الصحيحة والحسان المحتج بها بإعطاء الزيادة في ديون البيع والقرض

أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لبلال (أعطه أوقية من ذهب وزده) فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا [32] .

ولفظ البخاري: (فوزن لي بلال فأرجح في الميزان) قال النووي في شرحه:

فيه استحباب الزيادة في أداء الدين وإرجاح الوزن، وقد روى هذا الحديث فوق

عشرة عن جابر، وأيضا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إعطاء الزيادة في

قرض الحيوان كما في حديث أبي رافع، قال: استسلف رسول الله صلى الله عليه

وسلم بكرا فجاءته إبل من الصدقة. قال أبو رافع: فأمر لي أن أقضي الرجل بكره،

فقلت: لا أجد إلا جملا خياريا رباعيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعطه

إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء) أخرجه مالك ومسلم والأربعة، وكما في حديث

أبي هريرة أخرجه الشيخان والترمذي مختصرا ومطولا: أن رجلا تقاضى رسول

الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فهم به أصحابه فقال: (دعوه فإن لصاحب الحق

مقالا، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه، قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال:

اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء) .

وأيضا قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى الزائد في قرض

الأموال الربوية - أعني المكيل والموزون - كما روى أبو هريرة قال: أتى النبي

صلى الله عليه وسلم رجل يتقاضاه قد استسلف منه شطر وسق فأعطاه وسقا فقال

(نصف وسق لك ونصف وسق من عندي) ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه فأعطاه

وسقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وسق لك ووسق من عندي) أخرجه

المنذري في الترغيب وقال: رواه البزار وإسناده حسن.

ومن حديث ابن عباس قال: استسلف النبي صلى الله عليه وسلم من رجل

من الأنصار أربعين صاعا فاحتاج الأنصاري فأتاه فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: (ما جاءنا من شيء، فقال الرجل وأراد أن يتكلم، فقال صلى الله عليه

وسلم: لا تقل إلا خيرا فأنا خير من تسلف) فأعطاه أربعين فضلا وأربعين أسلفه

فأعطاه ثمانين، قال البزار: لم أسمعه إلا من أحمد وهو ثقة، وأخرجه المنذري

وقال: إسناده جيد، وقال الهيتمي: رجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار وهو ثقة.

ومن حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي برجال الصحيح في السنن الكبرى قال:

أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلف فاستسلف له رسول الله صلى الله

عليه وسلم شطر وسق فأعطاه إياه، فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقا وقال

(نصف لك قضاء ونصف لك نائل من عندي) وهذه أحاديث صحيحة يحتج بها فلا

يعارضها مثل حديث السوار المتروك والآثار الغير المرفوعة، وأما كونه ربا عند

الشرط فهو لا يصح أيضا لما روي من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه راطل

أبا رافع، فرجحت الدراهم، فقال أبو رافع: هو لك أنا أحله لك، فقال أبو بكر: إن

أحللته فإن الله لم يحله لي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (الزائد

والمزاد في النار) أو هكذا لأن فيه دلالة على أن الزيادة بغير شرط أيضا حرام،

أعني أن الزيادة التي هي الربا شرعا حرام شرطت أو لم تشترط، فلو كانت الزيادة

في القرض ربا لكانت حراما بدون شرط أيضا مع أن الزيادة في القرض بدون

الشرط مباح باتفاق الأمة، فثبت أنها ليست بربا.

قال ابن نجيم في البحر: إذا لم تكن [33] المنفعة مشروطة فلا بأس به، وفي

البزازية من كتاب الصرف ما يقتضي ترجيح الثاني، قال ولا بأس بقبول هدية

الغريم وإجابة دعوته بلا شرط، وكذا إذا قضى أجود مما قبض يحل بلا شرط اه

كتاب الحوالة.

وأما ما قيل إنه لا حجة في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في

الديوان والقرض لأنه مخصوص به، وهو إمام وللإمام حق العطاء، فيكون ما

يعطي الإمام حلالا، ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ليقتدى به في كل فعل

حتى يقوم دليل على اختصاصه به، وليس هنا دليل على اختصاصه به صلى الله

عليه وسلم.

وكذا لا يصح تفسير إجمال الآية بحديث أنس والآثار المروية عن أبي بن

كعب وابن عباس، أما أولا فلأنه ليس فيها ذكر الربا فلا يتعين أن النهي والأمر

بالاجتناب لكونه ربا، وأما ثانيا فلما مر عن شرح كشف الأسرار بأنه لابد أن يكون

مفسر إجمال القرآن قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، وحديث أنس وآثار أبي بن

كعب وابن عباس لسن بهذه المثابة لا باعتبار الدلالة ولا باعتبار الثبوت.

أما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه بلفظ (إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه

أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)

والراوي فيه عن أنس مجهول، وكذا فيه عتبة بن حميد الضبي البصري قال أبو

طالب عن أحمد هو ضعيف ليس بالقوي، وفيه إسماعيل بن عياش الحمصي وهو

مختلف فيه وضعيف بالإجماع إذا روى عن غير أهل بلده، وأخرجه ابن تيمية في

المنتقى بلفظ (إذا أقرض الرجل الرجل فلا يأخذ هدية) وقال: أخرجه البخاري في

تاريخه فما ظفرت على سنده حتى أحكم على جودته وصحته ليثبت منه الحرمة،

وليس ببعيد أن يكون مختصرا من حديث ابن ماجه فيعود الجرح والتعديل، مع هذا

هو خلاف ما عليه الأمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

أما أثر أبي بن كعب أنه قال لزر بن حبيش: إنك بأرض الربا فيها كثير فاش،

فإذا أقرضت رجلا فأهدى إليك هدية فخذ قرضك واردد هديته - ففيه كلثوم بن

الأقمر: مجهول، وكذلك ما روى ابن سيرين أن أبي بن كعب أهدى إلى عمر بن

الخطاب من تمر أرضه فردها، فقال أبي: لم رددت علي هديتي وقد علمت أني

من أطيب أهل المدينة تمرة؟ فخذ عني ما ترد علي هديتي، وكان عمر أسلفه عشرة

آلاف درهم. قال البيهقي: هذا منقطع، أي ليس بمتصل إلى أبي أيضا.

وكذلك ما روى أبو صالح عن ابن عباس قال في رجل كان له على رجل

عشرون درهما، فجعل يهدي إليه فجعل كلما يهدي إليه هدية باعها حتى إذا بلغ

ثمنها ثلاثة عشر درهما، فقال ابن عباس لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم - لأن أبا

صالح لم يسمع من ابن عباس فالرواية منقطعة، وكذلك ما روى سالم بن أبي الجعد:

كان لنا جار سماك عليه لرجل خمسون درهما فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن

عباس فقال: قاصه بما أهدى إليك. وأثر [34] فضالة بن عبيد مع ضعفه أيضا ليس

فيه لفظ الربا حتى يفسر به الإجمال، بل لفظه: كل قرض جر منفعة فهو وجه من

وجوه الربا - فظاهره يدل على أنه ليس بربا، بل له شبه من الربا، وهذه الآثار

والأحاديث كلها أخرجها البيهقي في السنن.

(للفتوى بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) قال فخر الإسلام البزدوي في كشف الأسرار: أما المجمل فما لا يدرك لغة لمعنى زائد ثبت شرعا. قال شارح البخاري كالربا؛ فإنه اسم للزيادة وهي بنفسها ليست بمرادة اه (ص43-ج1) وقال في موضع آخر: ثم المجمل وهو ما ازدحمت فيه المعاني واشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار، ثم الطلب، ثم التأمل، وذلك مثل قوله تعالى: [وحرم الربا] (البقرة: 275) فإنه لا يدرك بمعاني اللغة بحال، وكذلك الصلاة والزكاة، وقال شارحه: فإن مطلق الزيادة التي يدل عليها لفظ الربا، وكذلك الدعاء والنماء اللذان يدل عليهما لفظ الصلاة والزكاة لم يبقيا بمرادين بيقين، ونقلت هذه الألفاظ إلى معان أخر شرعية، إما مع رعاية المعنى اللغوي أو بدونه فلا يوقف عليه إلا بالتوقيف كما في الوضع الأول (ص155-ج-1) وقال أيضا: لأن المجمل ثلاثة أنواع، نوع لا يفهم معناه لغة كالهلوع قبل التفسير، ونوع معناه مفهوم لغة؛ ولكنه ليس بمراد كالربا والصلاة والزكاة (شرح كشف ص 54 ج - 1 وغاية التحقيق شرح الحسامي) ثم قال شارح الحسامي: كآية الربا فإنها مجملة إذ الربا عبارة عن الفضل لغة، والفضل نفسه ليس بمراد بيقين إذ البيع لم يشرع إلا للاسترباح وتحصيل الفضل فإن كل واحد من المتباعين ما لم ير فضلا في البدل المطلوب له لا يبذل ملكه بمقابلته (غاية التحقيق) قال العيني في البناية: وليس المراد مطلق الفضل بالإجماع وإن فتح الأسواق في سائر بلاد المسلمين للاستفضال والاسترباح اه (شرح هداية كتاب البيوع) وقال الجصاص الرازي بعد تصريح: إجمال الربا لا يصح الاحتجاج بعمومه؛ وإنما يحتاج إلى أن يثبت بدليل آخر أنه ربا حتى يحرمه بالآية اه أحكام القرآن (ص 464 ج-1) .

(2) وإليه مال الإمام الشافعي رضي الله عنه، والشافعية وأكثر المالكية، قال الجصاص الرازي: وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ البيع (أحكام ص 469 - ج1) قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير [وأحل الله البيع وحرم الربا] (البقرة: 275) من المجملات التي لا يجوز التمسك بها. ثم قال: وهذا هو المختار عندي، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم (ص535-ج2) قال العلامة التفتازاني في التلويح: والمجمل وهو ما خفي المراد منه لنفس اللفظ خفاء لا يدرك إلا ببيان من المجمل سوا كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام كالمشترك أو لغرابة اللفظ كالهلوع أو لانتقاله من معناه الظاهري إلى ما هو غير معلوم كالصلاة والزكاة والربا. قال البغوي في معالم التنزيل: واعلم أن الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى:

[وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله] (الروم: 39) أي ليكثر في أموال الناس، فطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام في الجملة؛ إنما المحرم زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرنا الحديث. وأورد في تفسير إجماله حديث عبادة بن الصامت وقال في آخره: وهذا في ربا المبايعة - قال الشيخ عبد القادر الجرجاني في شرح الدرر: الذين يأكلون الفضل في المداينات، والربا في اللغة عبارة عن الزيادة والنماء، وفي الشرع عبارة عن عقد فاسد بصفات معهودة، والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري (الذهب ... ) الخبر، تلقته الفقهاء بالقبول فدخل في حيز التواتر اه. وكذلك نقل السيوطي إجمال الربا قال ابن رشد الفقيه المالكي في المقدمات: قد اختلف في قوله تعالى: [وأحل الله البيع وحرم الربا] (البقرة: 275) ، [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] (البقرة: 43) [ولله على الناس حج البيت] (آل عمران: 97) ، [كتب عليكم الصيام] (البقرة: 183) هل هي من الألفاظ العامة المجملة؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أنها كلها مجملة لا يفهم المراد بها من لفظها وتفتقر في البيان إلى غيرها (ص121-ج3) وفي موضع آخر: وقد اختلف في لفظ الربا الوارد في القرآن، هل هو من الألفاظ العامة يفهم المراد بها، وتحمل على عمومها حتى يأتي ما يخصها أو من الألفاظ المجملة التي لا يفهم المراد بها من لفظها أو تفتقر في البيان إلى غيرها؟ على قولين، والذي يدل عليه قول عمر بن الخطاب: (كان من آخر ما أنزل الله تعالى على رسوله آية الربا فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها لنا) أنها من الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان والتفسير (ص41-ج3) .

(3) أحكام القرآن ص 494 - ج1.

(4) توضيح قسم ثالث ص 125.

(5) قلمي ص 79.

(6) ج 2.

(7) ص 43 - ج1.

(8) وفيه دلالة على أن الفضل مطلقا ربا ولو من غير شرط.

(9) فيه دلالة على أن الزيادة في القرض ليست بربا؛ لأنه لو كانت ربا لحرمت بدون شرط أيضا، ولم يقل به الفقهاء، على أنه ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد وقت الأداء في القرض، وأثنى على هذا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقال ابن عابدين في الدر المختار: فإن الزيادة بلا شرط ربا أيضا إلا أن يهبها على ما سيأتي (باب الربا كتاب البيوع) ص 274 - ج4.

(10) (ص110 ج3) .

(11) كذا في رد المحتار، باب صفة الصلاة، مبحث القعود الأخير (ص470) .

(12) المراد به الربا في النسيئة بقرينة أنه سمى ربا النسيئة بربا اليد فلا محالة أن يسمى هذا بربا النساء، وهو البيع نسيئة إلى أجل، ثم الزيادة عند حلول الأجل وعدم قضاء الثمن بمقابلة الأجل.

(13) (كتاب البيوع ص22 - ج4) .

(14) (ص 348 - ج7) .

(15) قال ابن عابدين في شرح الدر تحت قوله (مشروط) تركه أولى فإنه مشعر بأن تحقق الربا يتوقف عليه وليس كذلك لأن الزيادة بلا شرط ربا أيضا اه ملخصا - باب الربا.

(16) وسيأتي أن القرض ليس بمعاوضة مالية.

(17) (ص 273ج-4) كما سيأتي وظاهر أن القرض من التبرعات عند الفقهاء.

(18) بدائع (193ج - 5) لأن الربا هو الفضل، والفضل والمماثلة إضافتان تقتضيان الطرفين فلا تحقق لهما بدونهما كسائر النسب والإضافات، والطرفان لا يوجدان بدون المعاوضة، فلا يوجد الربا بدون المعاوضة أي بدون البيع، وظاهر أن الطرفين لا يوجدان في القرض لأن حكم رد المثل في القرض حكم رد العين كما صرح به الفقهاء والأصوليون. قال العلامة الشامي: ثم للمثل المردود حكم العين كأنه رد العين اه (ص263ج - 4) وإذا لم يتحقق الطرفان في القرض لا يتحقق الفضل فلا يوجد فيه الربا لأن الربا هو الفضل.

(19) وكذا أنكر ابن رشد الفقيه المالكي كونه ربا منصوصا حيث قال في المقدمات: إن رجلا أتى

عبد الله بن عمر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلا واشترطت أفضل مما أسلفته، فقال عبد الله بن عمر ذلك الحديث بطوله - وقال رضي الله عنه: من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه، وإن كان قبضة من علف فهو ربا اه - فهذا الفقيه ينكر كونه ربا منصوصا حيث يقول: وتفسير ذلك (أي قول ابن عمر فإنه ربا) أنه مقيس على الربا المحرم بالقرآن (ص 149ج-3) وكذا العلامة البغوي ينكر كونه ربا نصيا، حيث ذكر تحت آية الربا حديث عبادة، ثم قال: وهذا في ربا المبايعة، ومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة إلخ مراده أن الآية في ربا البيع، والنفع المستحصل بالقرض خارج عن حكم الآية فهو داخل تحت (كل قرض جر منفعة) وكذا العلامة الصوفي الشهير بالخازن ينكر كونه ربا منصوصا حيث يقول: (المسألة الرابعة) في القرض وهو من أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل منه فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا اه. فإنه لم يدخل النفع المعين للقرض تحت ربا القرآن، بل أدخله في القرض الجار منفعة، يعني أثبت له حكما آخر بدليل آخر، ولو كان عند هؤلاء الأعلام أن نفع القرض هو الربا المنصوص لم يحتاجوا إلى التأويل وأدلة أخرى، وسيأتي الكلام عليه مفصلا إن شاء الله تعالى.

(20) (بدائع الصنائع ص 395 ج - 7) .

(21) واتفقوا على كراهته، وهو دليل على عدم كونه ربا وإلا كان حراما.

(22) (ص 204) .

(23) غرضه منه أن هذا الحديث ضعيف؛ لأنه لو كان صحيحا في طريق، أو كان شيء من الأحاديث في الباب صحيحا لاطلع عليه، وأورده لأنه كان في ديار الحديث وكتبه المنوعة.

(24) قال السيد الجوزجاني في رسالته: الموقوف: وهومطلقا ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلا كان أو منقطعا، وهو ليس بحجة على الأصح اه.

(25) أخرج البخاري هذه الرواية عن سليمان بن حرب وعن شعبة عن سعيد بن بردة عن أبيه، وأخرجه أيضا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد عن أبي بريدة، وليس فيه ذكر القرض ولا ذكر الربا، ولكن قال ابن حجر: ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضا كما أخرجه الإسماعيلي من وجه عن أبي كريب شيخ البخاري لكن باختصار عن الذي تقدم (فتح ص 262-ج13) وأخرج البيهقي عن أحمد بن عبد الحميد عن أبي أسامة عن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه وزاد فيه عن رواية البخاري ولفظه فقال: إنك في أرض الربا فيها فاش، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يقرض القرض إلى أجل فإذا بلغ أتاه به وبسلة فيها هدية فاتق تلك السلة وما فيها. وأخرجه أيضا عن شعبة باختلاف يسير ولفظه: على رجل دين فأهدى إليك حبلة من علف أو شعير أو حبلة من تبن فلا تقبله؛ فإن ذلك من الربا. قال ابن حجر: في رواية أبي أسامة ذكر الربا لكن فيه اختصار عن رواية شعبة وما روى البيهقي عن أبي أسامة فيه زيادة عن رواية شعبة فافهم.

(26) قال ابن عابدين: لأن قول الصحابي إذا كان لا يدرك بالرأي - أي بالاجتهاد - له حكم المرفوع (رسم المفتي ص41) وسيجيء أن في هذا الحديث مجال القياس أكثر.

(27) (ص 149ج 3) .

(28) هذا دليل على أن الزيادة في القرض ليست بربا، ولو كانت ربا لم يفترق حكمها حين الاشتراط وعدمه كما مر عن العلامة ابن عابدين، وأيضا هذا مقتضى إطلاق الأحاديث في هذا الباب حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الفضل ربا) مطلقا بدون تقييد شرط وعدمه.

(29) واعلم أن العلامة العيني بعد شرحه للبخاري بكثير من الزمان شرح الهداية حين بلغ من عمره تسعين سنة، واعترف فيه بأنه لم يثبت في هذا الباب النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعتبر لأنه آخر أقواله ويؤيده الدليل.

(30) (عمدة القاري ص 689 ج - 5) .

(31) هذا التفسير خلاف ما عليه الجمهور فلابد له من بيان.

(32) مسلم ص 29 - ج2.

(33) فيه أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في القرض، وليس فيه أنه كان مع شرط أو بدون شرط فمن ادعى الحرمة بالشرط لا بد عليه من بيان؛ لأن الأحاديث في هذا الباب مطلقة؛ ولا يجوز تقييدها بدون مخصص.

(34) أخرجه البيهقي بسند إبراهيم بن سعد عن إدريس بن يحيى عن عبد الله بن عياش، وعبد الله بن عياش منكرالحديث، وإبراهيم لم يعرف حاله، وكذا حال إدريس، ويمكن أن يكون إدريس بن يحيى الخولاني، ذكره ابن حبان في ثقاته وقال له: مستقيم الحديث إن كان دونه ثقة وفوقه ثقات.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٠ · ص ٢٧٣