الكاتب: عبد الله محمود شكري
-----------------
<span class="footnote">
السنة والشيعة
أو الوهابية والرافضة
كنا نريد أن نكتفي في إبطال دعاية الرافضي الشيخ - أو السيد أو الملا -
محسن الأمين العاملي في كتابه الجديد، وصد المسلمين عنها بما نشرناه في الجزء
الماضي، ولكننا رأينا أن نجيب دعوة من دعونا إلى التوسع في ذلك بتأييد ما حكمنا
به على صاحب هذا الكتاب من الكذب في النقل والطعن في السنة النبوية وغش
المسلمين بعزوها إلى الوهابية وابن تيمية وتلاميذه دون سائر المسلمين وبالاكتفاء
من النقل من الكتب بما يؤيد مزاعمه وكتمان غيره من كلام من ينقل عنهم وكلام
غيرهم في الموضوع، وبغير ذلك مما تدعو إليه الحاجة، ويوجبه درء الفتنة،
وإبطال البدعة، فنقول:
طعن العاملي في الوهابية وابن تيمية
قال الرافضي العاملي في أول صفحة 129من كتابه تحت عنوان (اعتقاد
الوهابية ومؤسس دعوتهم وقدوتهم ابن تيمية في الله تعالى وصفاته) ما نصه:
(اعلم أن الوهابية ومؤسس دعوتهم محمد بن عبد الوهاب وباذر بذورها
أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم وأتباعهم ادعوا أنهم موحدون، وأنهم باعتقاداتهم
التي خالفوا بها جميع المسلمين حموا جناب التوحيد أن يتطرق إليه شيء من الشرك،
وادعى الوهابيون أنهم هم الموحدون وغيرهم من جميع المسلمين مشركون كما
سيأتي، ولكن الحقيقة أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأتباعهما قد أباحوا حمى
التوحيد وهتكوا ستوره وخرقوا حجابه ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق بقدس جلاله
تقدس وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وأثبتوا لله تعالى الوجه واليدين واليد
اليمنى واليد الشمال والأصابع والكف والعينين كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل،
وهو تجسيم صريح) .
(وحملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقية فأثبتوا لله تعالى المحبة والرحمة
والرضا والغضب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية من غير تأويل، وأنه تعالى يتكلم
بحرف وصوت فجعلوا الله تعالى محلا للحوادث وهو يستلزم الحدوث كما بين في
محله من علم الكلام) .
(أما ابن تيمية فقال بالجهة والتجسيم والاستواء على العرش حقيقة، والتكلم
بحرف وصوت وهو أول من زقا بهذا القول وصنف فيه رسائل مستقلة كالعقيدة
الحموية والواسطية وغيرها، واقتفاه في ذلك تلميذه ابن القيم وابن عبد الهادي
وأتباعهم، ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره، وألزموا السلطان بقتله أو
حبسه، فأخذ إلى مصر ونوظر وحكموا بحبسه فحبس وذهبت نفسه محبوسا بعدما
أظهر التوبة ثم نكث ونحن ننقل ما حكوه عنه في ذلك وما قالوه في حقه لتعلم ما
هي قيمة ابن تيمية عند العلماء.
(قال أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه (الجوهر
المنظم في زيارة القبر المعظم) في جملة كلامه الآتي في فصل الزيارة: إن ابن
تيمية تجاوز إلى الجناب المقدس وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر
من دعوى الجهة والتجسيم ... إلخ.
(وقال ابن حجر أيضا في (الدرر الكامنة) على ما حكي: إن الناس
افترقت في ابن تيمية (فمنهم) من نسبه إلى التجسيم لما ذكره في العقيدة الحموية
والواسطية وغيرهما من ذلك بقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه حقيقية لله، وأنه
مستو على العرش بذاته، فقيل له: يلزم في ذلك التحيز والانقسام؟ فقال: أنا لا
أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بالتحيز في ذات الله
إلخ) .
أقول: حسبي هذه الجملة من تقول الرافضي نموذجا على كذبه في نقوله
ومزاعمه واقتصاره في النقل على ما يوافق هواه، ويؤيد دعايته ودعواه، كما يفعل
دعاة النصرانية (المبشرون) فيما ينقلونه من القرآن العظيم وكتب الحديث وغيرها
من كتب المسلمين؛ لتشكيكهم في الدين ثم تحويلهم عنه إن لم يكن إلى النصرانية
فإلى الإلحاد والزندقة؛ لأنهم يفضلونها على الإسلام الذي جاء بتوحيد الله تعالى
وتنزيهه، وبكون المسيح عليه السلام نبيه جعله وأمه آية للناس بحملها به من نفخ
روح الله جبريل عليه السلام إلخ - كما فعل أمثالهم أعداء الإسلام من يهود الحجاز
عند ما سألهم مشركو مكة عن دينهم ودين محمد أيهما الحق؟ فشهدوا لهم بأن دين
الوثنية وعبادة الأصنام هو الحق، وبأن دين محمد وهو التوحيد والبعث والشهادة
بالرسالة لموسى عليه السلام وغيره من رسل الله هو الباطل؟ كذا يفضل هذا
الرافضي البدعة على السنة وعلى ظاهر القرآن أيضا.
***
بيان تقول العاملي على ابن تيمية والوهابية
زعم الرافضي العاملي المتعصب أن أول من زقا بهذه العقائد أي صاح بها
ودعا إليها هو ابن تيمية وتبعه بها تلميذاه ابن القيم وابن عبد الهادي؛ ولذلك حكم
علماء عصره بضلاله وكفره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه إلخ.
أقول (أولا) : إن الوهابية يدعون بحق أنهم موحدون وحامون لحمى التوحيد
من تطرق الشرك، وكان يدعي هذه الدعوى بحق من قبلهم شيخ الإسلام، وعلم
أهل السنة الأعلام، وهادم أركان بدعة الروافض وغيرهم من المبتدعة أرباب
الخرافات والأوهام، وماحق شبهات الفلاسفة وضلالات الكفرة.
(ثانيا) : إن الوهابية لم يدعوا أنهم هو الموحدون وحدهم وأن غيرهم من
جميع المسلمين مشركون كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصب وغيره، بل لم
يدعوا أنهم فرقة أو أهل مذهب مستقل حتى يصفوا أنفسهم بوصف من دون سائر
المسلمين، وإنما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الذي دعت إليه
جميع رسله: إن المسلمين قد صدق في بعضهم حديث نبيهم الثابت في الصحاح من
اتباعهم سنن من قبلهم من أهل الكتاب في البدع ومخالفة هداية دينهم كما يصدق في
بعض آخر منهم قوله صلى الله عليه وسلم بأنه: (لا تزال طائفة من أمته ظاهرة
على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ، ويقولون: إن الذين اتبعوا
سنن من قبلهم هم أهل البدع من الجهمية والروافض وغيرهم، وإن القائمين بأمر
الله هم المحافظون على الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على
الهدي الذي كان عليه السلف الصالح من قبل ظهور البدع، ومن قاوم البدع منذ
ظهورها من علماء الأمصار، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم
أجمعين.
(ثالثا) : إن ما ذكره من العقائد التي زعم أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب
وأمثالهم أباحوا لها حمى التوحيد وهتكوا ستوره ... بإثباتهم لله تعالى صفة العلو
والاستواء على العرش إلخ، إنما أثبتوا بها -كسائر أهل السنة - ما أثبته الله تعالى
في كتابه المعصوم، وفي سنة خاتم أنبيائه المعصوم المبينة له، ذلك الكتاب العزيز
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خلافا لغلاة الروافض المارقين عن
الإسلام بزعمهم أن كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكتبه كما
نزل إلا علي كرم الله وجهه وأنه كتمه عن المسلمين إلا أئمة أهل بيته، وأنه انتهى
أخيرا إلى مهدي السرداب، وأنه سيظهر في آخر الزمان وزعم الكثيرين منهم أن
القرآن الذي تواتر بين المسلمين من عهد النبي وخلفائه الراشدين إلى اليوم قد حرفه
الصحابة رضوان الله عليهم وكتموا بعضه، وأن عليا وسائر أئمة البيت
المعصومين عندهم قد وافقوهم على ذلك ظاهرا من باب التقية التي لا تنافي
العصمة عندهم، بل يباح بها الكذب وكذا الكفر كاستباحة كتمان القرآن، ولكن منهم
من بين الحقيقة سرا لبعض أتباعهم فظلوا يتناقلونها إلى أن أذاعها بعضهم وجمع
نصوصها عنهم صاحب كتاب (فصل الخطاب) المطبوع في إيران، برأ الله كتابه
وأهل بيت نبيه من هذا الكفر والضلال.
وأما كونهم يثبتون تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل ولكن مع
إثبات التنزيه فهم متبعون في ذلك لسلف الأمة الصالح غير مبتدعين له، وإنما
ابتدع التأويل الجهمية والمعتزلة وأتباعهم من الروافض بشبهة تنزيه الله تعالى عن
التجسيم والتشبيه، وكان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة المتأولين ثم رجع عن
أشهر قواعد الاعتزال واتبع فيها أهل السنة، وظل على ما اعتاد من بعض
تأويلات الاعتزال حتى صفا له مذهب أهل السنة من الشوائب ورجع إلى مذهب
السلف كما صرح به في آخر كتابه المسمى بالإبانة، ولكن عدوى التأويل المبتدع
سرت إلى كبار النظار من أتباعه فجرى لبعض أساطينهم ما جرى له من رجوعهم
إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم، أو قبل ذلك كما جرى للإمام الجويني
والإمام الغزالي وغيرهما من المتقدمين ولشيخنا الأستاذ الإمام من المتأخرين.
وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي
يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرهما من لوازم الأجسام
فبهذه الشبهة عطلوا أكثر صفات الله تعالى حتى صارت عندهم في حكم العدم،
والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص، وبما يجب الإيمان به وأشد منهم
تنزيها للرب تبارك وتعالى، وقد كاد ذلك يخفى على أهل القرون الوسطى لقصر
همم علماء السنة السلفيين على علوم القرآن والسنة وإعراضهم عن علم الكلام وعلم
الفلسفة المبتدع ونظرياته الجدلية الخلابة، حتى ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية فنظر
بعد الإحاطة بعلوم السنة والنقل المروية والمدونة في الكلام والفلسفة والمنطق
وأظهر كثيرا من فساد نظرياتها وأثبت صحة مذهب السلف من طريق النقل
وطريق العقل جميعا.
والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل العقل
والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى:
11) وإن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب سبحانه ووصفه بما وصف
به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك وعدم التحكم في التفرقة
بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، فيقولون:
إن رحمته تعالى رحمة حقيقية ليست كرحمة البشر كما أن علمه ليس كعلم البشر
وسمعه ليس كسمع البشر وبصره ليس كبصر البشر إلخ، وكذلك يقول السلف في
استوائه تعالى على عرشه: إنه استواء يليق بجلاله وتنزهه عن مشابهة خلقه،
ليس كاستواء الملوك على عروشها، ولا نتحكم بعقولنا بتأويل ذلك كزعم من قالوا:
الاستواء بمعنى الاستيلاء مثلا، وستأتي أقوالهم في ذلك.
ذلك بأن مبتدعة التأويل يقيسون الخالق على المخلوق فيزعمون أن المعاني
الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلا ونقلا، فوجب إخراج
الألفاظ الدالة عليها من مدلولها، وحملها على معان مجازية؛ ليتفق العقل مع النقل،
وفاتهم أن تلك المعاني المجازية هي مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية
فالذين أولوا رحمة الله تعالى بإحسانه إلى خلقه فاتهم أن الإحسان المستعمل في اللغة
تعبيرا عن صفات المخلوقين وأعمالهم محال على الله تعالى أيضا؛ إذ هو عبارة
عن بسط يد بعطاء أو إنقاذ غريق من البحر مثلا، وهذا لا يكون إلا بحركات
الأعضاء فهو يستلزم التشبيه أيضا.
كما يلزم ذلك متكلمي الأشعرية الذين وافقوا المعتزلة والجهمية والرافضة في
تأويل ما عدا الصفات الثمانية التي يسمونها صفات المعاني، فإن العلم الذي هو
أبعد هذه الصفات عن الحاجة إلى التأويل عندهم هو عبارة في اللغة المستعملة في
البشر عن انطباع صور المعلومات في ذهن العالم بها، والله تعالى منزه عن ذلك،
وعلمه أزلي ليس صورة ذهنية للمعلومات التي تثبت الحدوث لما عدا ذاته وصفاته
الذاتية سبحانه وتعالى منها، وفي صفات الأفعال خلاف معروف. فوصفه تعالى
بالعلم بمعناه الحقيقي المعروف في لغة البشر يستلزم تشبيهه بالبشر أيضا، ولذلك
أنكر أئمة النار من المبتدعة جميع صفات الله تعالى وعطلوها عن معانيها، ومنهم
هذا الرافضي وأمثاله. ومذهب سلف الأمة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها بما
بينه به شيخ الإسلام ابن تيمية أوضح بيان كما نقلناه عنه وعن غيره مرارا،
وخلاصته أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم
من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون
محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته بعباده ليستا كمحبة المخلوقين ورحمتهم فيما بينهم
كما أن علمه تعالى ليس كعلمهم - فهذا هو اعتقاد المسلمين المؤمنين الذين يتلقون
دينهم من كتاب ربهم ومما صح عن رسوله إليهم صلى الله عليه وسلم إثباتا ونفيا
من غير تحكيم للأهواء والبدع بشبهة قياس الخالق على المخلوق والرب على العبد.
ومثل ذلك إثبات صفة العلو والفوقية له تعالى فقد سمى الله تعالى نفسه:
﴿العلي الكبير﴾ (الحج: 62) فيقول سلف الأمة الصالح: إن علوه تعالى على
جميع خلقه ليس كعلو رأس الإنسان على جثته ولا علو من في الغرفة على من في
أسفل الدار، كما يقولون مثل ذلك في اسمه الكبير والعظيم أي أنه ليس بمعنى كبر
الأجسام وعظمتها ككون الجبل أكبر من الصخرة مثلا، وقد شرحنا هذه المسألة عن
طريق العقل والنقل والعلم الكوني مرارا، وأثبتنا أن العلو الحسي بين الأجسام أمر
نسبي ليس له حقيقة ثابتة، فكيف نستنبط من لوازمه ما نعطل به صفة الله التي
وصف بها نفسه في الآيات والأحاديث الصحيحة التي أخذها السلف الصالح فالتسليم
من غير جدل ولا تعطيل ولا تأويل، وقد سبق إلى ذلك شيخ الإسلام في كتابه
العرش وغيره فبين أن العلو الحقيقي المطلق لا يثبت إلا لله العلي الكبير القاهر
فوق عباده، وما عداه فعلو نسبي، ولا سيما على القول بكروية العالم.
وقد اشتهر في كتب العقائد وعلم الكلام القديمة والحديثة للأشاعرة أن أهل
السنة انقسموا فيما عدا صفات المعاني الذاتية إلى سلف يفوضون حقيقة تلك
الصفات إلى الله تعالى ويرونها كما جاءت في الكتاب والسنة مع تنزيه الرب تعالى
عن الشبيه والمثل، وخلف يؤولونها تأويلا يوافق قواعد اللغة التي وردت بها،
وقال بعضهم: إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم، ولكن المحققين
المنصفين منهم قالوا: إن مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، بل قال أبو
حامد الغزالي: إن علم الكلام ليس من علوم الدين الأصلية، وإنما هو ضرورة ألجأ
العلماء إليها الرد على المبتدعة والفلاسفة فيما خالفوا فيه ما جاء في نصوص الدين
القطعية فهو كحرس الحجيج الذي يحرسهم من قطاع الطريق إنما يجب ما وجد
المعتدون على الحجيج، فإذا لم يوجد من يعتدي عليهم يستغنى عن الحرس؛ لأنه
ليس من أركان الحج ولا من واجباته ولا من سننه.
(للكلام بقية فيها بيان نتيجة ما تقدم)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>