تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لتطييب الطعم وتنعيم الجسم ثم يرى المكارم من المحارم، قد وفر همه على مطعم يجوده، وملبس يجدده ومرقد يمهده وبنيان يشيده ثم ينجده، فما يشد للمكارم رحلاً، ولا يحمل للفضل كلاً، همه أن يتشبع ويتضلع، ويكتسي ويتمشقع، ويتجلل ويتبرقع، ويتربع ويترفع، وقصاراه أن ينصب تخته ويؤطي استه دسته، وحسبه من الشرف أن يصهرج أرضها ويزبرج بعضها، ويكفيه من الكرم أن تعدوا الحاشية أمامه، وتحمل الغاشية قدامه، ويجزيه من الفضل ألفاظ فقاعية، وثياب مشقاعية، يلبسها ملوماً ويحشوهالؤماً، ما اتسعت دورهم إلا ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا همجلت عتاقهم إلا قطفت أخلاقهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أفعالهم، ولا كثر مالهم، إلا قل جمالهم.

وقال ابن الجوزي رحمه الله في باب النهي عن التبذير:

التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل وأحسن الأدب في هذا الباب تأديب الحق سبحانه وتعالى حين قال: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ [الإسراء: 26].

واعلم أن الإنسان قد يعطي رزق شهر في يوم، فإذا بذر فيه بقي شهراً يعاني البلاء، وإذا دبر فيه عاش شهراً طيب العيش.

وعلاج مرض التبذير النظر في العواقب والحذر مما يجوز كونه من الحاجة إلى الناس والفقر، فذلك يكف كف التبذير.

وقال أبو بكر الرازي رحمه الله في كتابه الطب الروحاني تحت فصل في الاكتساب والإنفاق:

إن العقل الذي خصصنا به وفضلنا على سائر الحيوان أدى بنا إلى حسن المعاش، وارتفاق بعضنا ببعض فإنا قلَّ ما نرى البهائم يرتفق بعضها ببعض، ونرى أكثر حسن عيشنا من التعاون والارتفاق لبعضنا من بعض فإن الرجل الواحد منا طاعم كاس مستكن آمن وإنما يزاول من هذه الأمور واحداً فقط، لأنه إن كان حراثاً لم يمكنه أن يكون بناءً، وإن كان بناءً لم يمكنه أن يكون حائكاً، وإن كان حائكاً لم يمكنه أن يكون محارباً.

قطوف اقتصادية من الماضي والحاضر · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قطوف اقتصادية من الماضي والحاضرص ٤٢