تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني

نشأة الحضارة الإسلاميّة

توطئة:

نشوء الحضارات البشريّة

من الأسس الّتي يسلّم بها معظم المؤرِّخين -إن لم نقل جميعهم- أنّ الحضارات البشريّة لا تولد في التاريخ على نحو مفاجئ دون سابق إنذار، أو دون عوامل وإرهاصات تكون مقدِّمة لنشوئها. فالحضارة إنّما هي طريقة في العيش استقرّ عليها جماعة من الناس جعلتهم مجتمعاً متميّزاً عن غيره. ولّما كانت طريقة العيش هذه تعبيراً عمّا يحمل الناس من أفكار ومشاعر وما ينتظم علاقاتهم من أنظمة، فمن الطبيعيّ أن لا نتوقّع ولادة هذه الحضارة في فجاءة من التاريخ، ما دامت تقوم على أسس من المفاهيم والأنظمة والعادات والتقاليد الّتي يحتاج تكوّنها إلى مخاضات عسيرة من شتّى الأنواع، وبعد أن تتكوّن ويتشكّل المجتمع وفقها فإنّه يتمسّك بها تمسّك الأمّ بوحيدها. وبالتالي فإنّ تبديلها بعد استقرارها وتشكّل حياة المجتمع وفقها سيكون أيضاً في غاية الصعوبة، إن لم يكن متعذّراً، ما لم تتوافر العوامل الكافية، الّتي قد تكون مزيجاً من العوامل التاريخيّة والسياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والفكريّة وغيرها.

لذلك من المعتاد حين نقرأ التاريخ، بما فيه من مجتمعات وما تلوّنت به من حضارات، أن نتتبّع عوامل نشوء حضارةٍ ما قبل نضوجها واستوائها قائمة بين صفوف الحضارات، والأسبابَ الكامنة وراء تأجيل ظهورها أو تعجيل هذا الظهور… إلاّ أنّه من الصعب أن نحدّد تاريخاً معيّناً لولادة حضارةٍ ما. إذ الحضارات تنساب من ثنايا بعضها البعض انسياباً، بحيث نجد أنفسنا عاجزين عن التعامل معها كما نتعامل مع نشوء الدول والإمبراطوريّات ومن ثَمَّ اندثارها. فلَئنْ أمكننا تحديد ولادة دولة من الدول في اليوم الّذي حصل فيه انقلاب عسكريّ أو معركة عسكريّة أدّت إلى قيام تلك الدولة أو تسلّم أسرة من الأسر للسلطة وعضّها عليها، ومن ثَمَّ أمكننا التأريخ لنهاية هذه الدولة على الأساس ذاته، فإنّ هذا ما لا يتأتّى في التأريخ لنشوء الحضارات .

نشوء الحضارة الاسلامية · الصفحة ٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نشوء الحضارة الاسلاميةص ٩٤