خامساً:
مظاهر ازدهار الحضارة الإسلاميّة
ومظاهر تراجعها
هذا أيضاً محور جديد من محاور الخلاف: النظرة إلى مظاهر ارتقاء المجتمع الّذي تشكَّل بهذه الحضارة ومظاهر انخفاضه وتراجعه. فلقد سبق ورأينا أنّ أصحاب النزعة "التاريخيّة" في تفسير نشوء الحضارة الإسلاميّة يقيمون اعتباراً أساسيّاً للتمازج الحضاريّ والثقافيّ بين العرب وغيرهم من الأمم والشعوب المجاورة والخاضعة للدولة الإسلاميّة . فيجعلون كثرة التآليف والمصنّفات الفكريّة، ذات الألوان المختلفة والاتجاهات العديدة والمنابع المتفاوتة، وكثرة الإبداعات الأدبيّة والفلسفيّة وغيرها… يجعلونها دليلاً على الازدهار الحضاريّ والتقدّم في ذلك المجتمع . كما أنّهم يعطون أهميّة كبرى لمدى التطوّر العلميّ والتقنيّ وللمستوى العمرانيّ والماديّ ولمظاهر الترف والزخرف الّتي اتسم بها المجتمع، للحكم على مدى ارتقائه وتقدّمه. فحين ينعم المجتمع الإسلاميّ بمستوى عالٍ من المدنيّة والمظاهر المادّيّة، عندها فقط يحكمون عليه بالارتقاء والنهوض والتقدّم …
يقول "محمّد سعيد رمضان البوطي" : «والحقّ، أنّني ما رأيت كاتباً أجنبيّاً مستشرقاً أو غيره، تطرّق إلى البحث في تاريخ الحضارة الإسلاميّة، إلاّ واتّسم بحثه بظاهرتين :
«الظاهرة الأولى أنّ الكاتب يحصر حديثه حصراً تامّاً، في استعراض منجزات الحضارة الإسلاميّة، لا سيّما المادّيّة منها، من عمران، وصناعة، وفنون ، وعلوم إنسانيّة وكونيّة، ونحو ذلك. ويحاذر أن يعرّج من خلال ذلك على ذكر شيء يتعلّق بأساس تلك المنجزات والروح الباعثة عليها والنواة الّتي انفلقت عن غراسها !…