إلاّ أنّ المهمّة الكبرى في ثقافة المجتمع الإسلاميّ إنّما وقعت على عاتق المجتهدين وسائر الفقهاء بشتّى مراتبهم. ذلك أنّ العامّة من الناس والغالبيّة منهم، ليسوا من العلماء ولا المتبحّرين في العلوم الشرعيّة، فهم بحاجة إلى اللقمة السائغة الّتي يقتاتونها –في سلوكهم اليوميّ– بعد نضجها، وإلى الشراب السلس بعد مزجه، وإلى الدواء الناجع بعد استخلاصه. فكان المجتهدون وتلامذتهم من الفقهاء هم قِبلة أنظارهم في حياتهم اليوميّة. فهم الّذين يقدّمون ثمرة جهود سائر العلماء –من لغويّين ومفسّرين ومحدّثين وأصوليّين– بعد مزجها بعناية ودقّة، لتثمر لنا فقهاً متكاملاً شاملاً، هو قوام حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. وكلّما استجدّت في حياة المسلمين مسائل جديدة ومشاكل مستجدّة بتجدّد الأيام وتوسّع دار الإسلام، توجّهت أنظارهم نحو الفقهاء ليستمدّوا منهم الحكم الشرعيّ، فيتّخذوه رأياً ومفهوماً لهم ومعياراً لسلوكهم .« فكان موقف الفقهاء من هذه المشاكل من أصعب المواقف وأشدِّها عناء، وكانوا هم من جانبهم من أكثر الناس نشاطاً وتحمّلاً للعبء(1)».
(1) 3- فجر الإسلام – ص 246