فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقّاً، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلا عِلْماً، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ) (1).
وإنّ من أعظم ثمرات الجهاد النبويّ وبركاته على الإنسانيّة أنّ الإنسان لم يعد تفكيره وهمّه محصوراً في حدود هذه الحياة الدنيا، لا يعرف إلاّ المأكل والمشرب، واللهو والمنكح، والتكاثر في الدنيا، والنصب في جمع جطامها، والعبّ من متع الحياة، وكئوس الشهوات المترعات ..
لقد ربطت عقيدة الإيمان الإنسان بالله واليوم الآخر، فصحّحت له قصده ونيّته، وعلّقت قلبه بالله رغباً ورهباً، حتّى قال قائل أولئك الذين تربّوا هذه التربية الإيمانيّة العالية، وهو يستقبل الموت: " فزت! وربّ الكعبة.! "، وقال بلال - رضي الله عنه -، وهو في سكرات الموت: " بل واطرباه! غداً ألقى الأحبّة .. مُحَمّداً وصحبه ..
وعندما ارتبط قلب الإنسان بالله واليوم الآخر، وصحّ قصده، واستقامت نيّته، وطابت سريرته هانت عليه الدنيا بما فيها، فكان الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أحبّ إليه من كلّ شيء، وكانت رقابة الله، وابتغاء مرضاته أعظم في نفسه من كلّ شيء، لا يؤثر على ذلك شيئاً، ولا يرضى عنه بدلاً، فجلّت همّته، وعظمت أمانته، وبورك سعيه، وضرب أروع الأمثال في التزام مكارم الأخلاق، وحراسة العقيدة والمبادئ، وكان النموذج الصادق للمدرسة النبويّة، والتربية الربّانيّة ..
(1) ـ رواه الترمذيّ 2247 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.