* وحدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثنا أبو مهدي وحجاج ، كلاهما عن سفيان . قال : سمعت السدي يقول في قوله : ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ . . قال : هي منسوخة ، نسخها قوله : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ قال أبو بكر : أما قوله : ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ﴾ . . وقوله : ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ﴾ . وقوله : ﴿ فإما تثقفنَّهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ﴾
فإنه جائز أن يكون حكماً ثابتاً غير منسوخ . وذلك لأن الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإثخان في القتل وحظر عليه الأسر - إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم - وكان ذلك وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين ، فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء . فالواجب أن يكون هذا حكماً ثابتاً إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام . ( ونقول : إن الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا خاص بمشركي الجزيرة . بينما النص في سورة محمد عام . فمتى تحقق الإثخان في الأرض جاز أخذ الأسارى . وهذا ما جرى عليه الخلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد نزول سورة براءة بطبيعة الحال ، ولم يقتلوهم إلا في حالات معينة سيأتي بيانها ) . .
* وأما قوله : ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ . . ظاهره يقتضي أحد شيئين : من أو فداء . وذلك ينفي جواز القتل . وقد اختلف السلف في ذلك . حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير ، وقال : منّ عليه أو فاده . وحدثنا جعفر قال : حدثنا أبو عبيد قال : أخبرنا هشيم . قال : أخبرنا أشعث قال : سألت عطاء عن قتل الأسير فقال : منّ عليه أو فاده قال : وسألت الحسن . قال : يصنع به ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسارى بدر ، يمن عليه أو يفادي به . وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله ، فأبى أن يقتله ، وتلا قوله : ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ . . وروي أيضاً عن مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير . وقد روينا عن السدي أن قوله : ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ منسوخ بقوله : ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وروي مثله عن ابن جريج . حدثنا جعفر قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : هي منسوخة . وقال : قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبراً ، قال أبو بكر : اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافاً فيه ، وقد تواترت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتله الأسير ، منها قتله عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر . وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر . وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ ، فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية . ومنَّ على الزبير بن باطا من بينهم ، وفتح خيبر بعضها صلحاً وبعضها عنوة ، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئاً ، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله . وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل ، ومقيس بن حبابة ، وعبد الله بن أبي سرح ، وآخرين ، وقال :
« اقتلوهم وإن جدتموهم متعلقين بأستار الكعبة » ومنَّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم . وروي عن صالح ابن كيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف ، أنه سمع أبا بكر الصديق يقول : « وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته ، وكنت قتلته سريحاً ، أو أطلقته نجيحاً » . وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعدما أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله . فهذه آثار متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه . واتفق فقهاء الأمصار على ذلك . ( وجواز القتل لا يؤخذ من الآية ، ولكن يؤخذ من عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعض الصحابة . وتتبع الحالات التي وقع فيها القتل يعطي أنها حالات خاصة ، وراءها أسباب معينة غير مجرد التعرض للقتال والأسر . فالنضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط كلاهما كان له موقف خاص في إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيذاء دعوته . وكذلك أبو عزة الشاعر ، ولبني قريظة كذلك موقف خاص بارتضائهم حكم سعد بن معاذ سلفاً . وهكذا نجد في جميع الحالات أسباباً معينة تفرد هذه الحالات من الحكم العام للأسرى الذي تقرره الآية : ﴿ فإما منّاً بعد وإما فداء ﴾ ) . .