تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم نجد إلا البشيع من الطعام، وأصبناه عفنا أو فاسدا لا يسوغ في الحلق، فإذا انخفضنا فليس إلا ما نتقمم من قشور الأرض ومن حتات الخبز كالدواب والكلاب؛ وإن لم نجد ومسنا العدم وقفنا نتحين طعام قوم في دار أو نزل، فنراهم يأكلون فنأكل معهم بأعيننا، ولا نطمع أن نستطعمهم وإلا أطعمونا ضربا فنكون قد جئناهم بألم واحد فردونا بألمين، ونفقد بالضرب ما كان يمسك رمقنا من الاحتمال والصبر.

هؤلاء الأطفال يتضورون شهوة كلما أكلوا، ليعودوا فيأكلوا؛ ونحن نتضور جوعا ولا نأكل، لنعود فنجوع ولا نأكل؛ وهم بين سمع أهليهم وبصرهم؛ ما من أنة إلا وقعت في قلب، وما من كلمة إلا وجدت إجابة؛ ونحن بين سمع الشوارع وبصرها، أنين ضائع، ودموع غير مرحومة!

- آه لو كبرت فصرت رجلا عريضا؟ أتدرين ماذا أصنع؟

- ماذا تصنع يا أحمد؟

- إنني أخنق بيدي كل هؤلاء الأطفال!

- سوءة لك يا أحمد، كل طفل من هؤلاء له أم مثل أمنا التي ماتت، وله أخت مثلي؛ فما عسى ينزل بي لو ثكلتك إذا خنقك رجل طويل عريض؟

- لا، لا أخنقهم؛ بل سأرضيهم من نفسي؛ أنا أريد أن أصير رجلا مثل "المدير" الذي رأيناه في سيارته اليوم على حال من السطوة تعلن أنه المدير, أتدرين ماذا أصنع؟

- ماذا تصنع يا أحمد؟

- أرأيت عربة الإسعاف التي جاءت عند الظهر فانقلبت نعشا للرجل الهرم المحطم الذي أغمي عليه في الطريق؟ سمعتهم يقولون: إن المدير هو الذي أمر باتخاذ هذه العربة، ولكنه رجل غفل لم يتعلم من الحياة مثلنا، ولم تحكمه تجارب الدنيا؛ فالذي يموت بالفجاءة أو غيرها لا يحييه المدير ولا غير المدير، والذي يقع في الطريق يجد من الناس من يبتدرونه لنجدته وإسعافه بقلوب إنسانية رحيمة، لا بقلب سواق عربة ينتظر المصيبة على أنها رزق وعيش.

إن عربات الإسعاف هذه يجب أن يكون فيها أكل, ويجب أن تحمل أمثالنا من الطرق والشوارع إلى البيوت والمدارس؛ وإن لم يكن للطفل أم تطعمه وتؤويه فلتصنع له أم.

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٧٤