تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقفت أشهد الطفلين وأنا مستيقن أن حولهما ملائكة تصعد وملائكة تنزل! وقلت: هذا موضع من مواضع الرحمة، فإن الله مع المنكسرة قلوبهم، ولعلي أن أتعرض لنفحة من نفحاتها، ولعل ملكا كريما يقول: وهذا بائس آخر، فيرفني بجناحه رفة ما أحوج نفسي إليها، تجد بها في الأرض لمسة من ذلك النور المتلألئ فوق الشمس والقمر.

وظهر لي بناء "البنك" في ظلمة الليل من مرأى الغلامين, أسود كالحا، كأنه سجن أقفل على شيطان يمسكه إلى الصبح، ثم يفتح له لينطلق معمرا، أي: مخربا, أو هو جسم جبار كفر بالله وبالإنسانية ولم يؤمن إلا بنفسه وحظوظ نفسه فمسخه الله بناء، وأحاطه من هذا الظلام الأسود بمعاني آثامه وكفره.

يا عجبا! بطنان جائعان في أطمار بالية يبيتان على الطوى والهم، ثم لا يكون وسادهما إلا عتبة البنك! ترى من الذي لعن "البنك" بهذه اللعنة الحية؟ ومن الذي وضع هذين القلبين الفارغين موضعهما ذلك ليثبت للناس أن ليس البنك خزائن حديدية يملؤها الذهب، ولكنه خزائن قلبية يملؤها الحب؟

وقفت أرى الطفلين رؤية فكر ورؤية شعر معا، فإذا الفكر والشعر يمتدان بيني وبين أحلامهما، ودخلت في نفسين مضهما الهم واشتد عليهما الفقر، وما من شيء في الحياة إلا كادهما وعاسرهما؛ ونمت نومتي الشعرية.

قال الطفل لأخته: هلمي فلنذهب من هنا فنقف على باب "السينما" نتفرج مما بنا، فنرى أولاد الأغنياء الذين لهم أب وأم.

انظري ها هم أولاء يرى عليهم أثر الغنى، وتعرف فيهم روح النعمة؛ وقد شبعوا. إنهم يلبسون لحما على عظامهم؛ أما نحن فنلبس على عظامنا جلدا كجلد الحذاء؛ إنهم أولاد أهليهم؛ أما نحن فأولاد الأرض؛ هم أطفال، ونحن حطب إنساني يابس؛ يعيشون في الحياة ثم يموتون؛ أما نحن فعيشنا هو سكرات الموت، إلى أن نموت؛ لهم عيش وموت، ولنا الموت مكررا.

ويلي على ذلك الطفل الأبيض السمين، الحسن البزة، الأنيق الشاردة، ذاك الذي يأكل الحلوى أكل لص قد سرق طعاما فأسرع يحدر في جوفه ما سرق؛ هو الغنى الذي جعله يبتلع بهذه الشراهة، كأنما يشرب ما يأكل، أو له حلق غير الحلوق؛ ونحن -إذا أكلنا- نغص بالخبز لا أدم معه، وإذا ارتفعنا عن هذه الحالة

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٧٣