قال: سمعت أبا عبد الله يقول في تأويل ذلك الحديث: أما في لفظ الحديث فهو من معجزات بلاغة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو من أعجب الأدب وأبرعه، ما علمت أحدا تنبه إليه؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- لا يرد السوداء بخصوصها، ولكنه كنى بها عما تحت السواد؛ وما فوق السواد، وما هو إلى السواد، من الصفات التي يتقبحها الرجال في خلقة النساء وصورهن، فألطف التعبير ورق به، رفعا لشأن النساء أن يصف امرأة منهن بالقبح والدمامة، وتنزيها لهذا الجنس الكريم، وتنزيها للسانه النبوي؛ كأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن ذكر قبح المرأة هو في نفسه قبيح في الأدب، فإن المرأة أم أو في سبيل الأمومة؛ والجنة تحت أقدام الأمهات؛ فكيف تكون الجنة التي هي أحسن ما يتخيل في الحسن تحت قدمي امرأة، ثم يجوز أدبا أو عقلا أن توصف هذه المرأة بالقبح.
أما إن الحديث كالنص على أن من كمال أدب الرجل إذا كان رجلا ألا يصف امرأة بقبح الصورة البتة، وألا يجري في لسانه لفظ القبح وما في معناه، موصوفا به هذا الجنس الذي منه أمه, أيود أحدكم أن يمزق وجه أمه بهذه الكلمة الجارحة؟
وقد كان العرب يفصلون لمعاني الدمامة في النساء ألفاظا كثيرة؛ إذ كانوا لا يرفعون المرأة عن السائمة والماشية؛ أما أكمل الخلق -صلى الله عليه وسلم- فما زال يوصي بالنساء ويرفع شأنهن حتى كان آخر ما وصى به ثلاث كلمات، كان يتكلم بهن إلى أن تلجلج لسانه وخفي كلامه؛ جعل يقول: "الصلاة الصلاة, وما ملكت أيمانكم, لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ الله الله في النساء".
قال الشيخ: كأن المرأة من حيث هي إنما هي صلاة تتعبد بها الفضائل، فوجبت رعايتها وتلقيها بحقها؛ وقد ذكرها بعد الرقيق؛ لأن الزواج بطبيعته نوع رق؛ ولكنه ختم بها وقد بدأ بالصلاة؛ لأن الزواج في حقيقته نوع عبادة.
قال الشيخ: ولو أن أما كانت دميمة شوهاء في أعين الناس، لكانت مع ذلك في عين أطفالها أجمل من ملكة على عرشها؛ ففي الدنيا من يصفها بالجمال صادقا في حسه ولفظه، لم يكذب في أحدهما؛ فقد انتفى القبح إذن، وصار وصفها به في رأي العين تكذيبا لوصفها في رأي النفس، ولا أقل من أن يكون الوصفان قد تعارضا فلا جمال ولا دمامة.
قال الشيخ: وأما في معنى الحديث, هو -صلى الله عليه وسلم- يقرر للناس أن كرم المرأة