إليك إلا بنظرتها إلى تلك. أفبهيمة هي لا تعقل، أم أنت رجل ساحر، أم فيك ما ليس في الناس، أم أنا لا أفقه شيئا؟
فضحك مسم وقال: إن لي خبرا عجيبا: كنت أنزل "الأبلة" وأنا متعيش1 فحملت منها تجارة إلى البصرة فربحت، ولم أزل أحمل من هذه إلى هذه فأربح ولا أخسر، حتى كثر مالي، ثم بدا لي أن أتسع في الآفاق البعيدة لأجمع التجارة من أطرافها، وأبسط يدي للمال حيث يكثر وحيث يقل، وكنت في ميعة الشباب وغلوائه، وأول هجمة الفتوة على الدنيا، وقلت: إن في ذلك خلالا؛ فأرى الأمم في بلادها ومعايشها، وأتقلب في التجارة، وأجمع المال والطرائف، وأفيد عظة وعبرة، وأعلم علما جديدا، ولعلني أصيب الزوجة التي أشتهيها وأصور لها في نفسي التصاوير، فإن أمري من أوله كان إلى علو فلا أريد إلا الغاية، ولا أرمي إلا للسبق، ولا أرضى أن أتخلف في جماعة الناس. وكأني لم أر في الأبلة، ولا في البصرة امرأة بتلك التصاوير التي في نفسي، فتأخذها عيني، فتعجبني، فتصلح لي، فأتزوج بها، وطمعت أن أستنزل نجما من تلك الآفاق أحرزه في داري؛ فما زلت أرمي من بلد إلى بلد حتى دخلت "بلخ"2 من أجل مدن خراسان وأوسعها غلة؛ تحمل غلتها إلى جميع خراسان وإلى خوارزم؛ وفيها يومئذ -كان- عالمها وإمامها "أبو عبد الله البلخي" وكنا نعرف اسمه في البصرة؛ إذ كان قد نزلها في رحلته وأكثر الكتابة بها عن الرواة والعلماء؛ فاستخفتني إليه نزية من شوقي إلى الوطن، كأن فيه بلدي وأهلي؛ فذهبت إلى حلقته، وسمعته يفسر قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "سوداء ولود خير من حسناء لا تلد". فما كان الشيخ إلا في سحابة، وما كان كلامه إلا وحيا يوحى إليه. سمعت -والله- كلاما لا عهد لي بمثله, وأنا من أول نشأتي أجلس إلى العلماء والأدباء، وأداخلهم في فنون من المذاكرة، فما سمعت ولا قرأت مثل كلام البلخي، ولقد حفظته حتى ما تفوتني لفظة منه، وبقي هذا الكلام يعمل في نفسي عمله، ويدفعني إلى معانيه دفعا، حتى أتى علي ما سأحدثك به. إن الكلمة في الذهن لتوجد الحادثة في الدنيا.
وقال ابن أيمن: اطو خبرك إن شئت، ولكن اذكر لي كلام البلخي، فقد تعلقت نفسي به.