تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد النفس في رجلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟!

وما الصداق في قليله وكثيره، إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها, فهو إيماء، ولكن الرجل قبل. إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفا، والسيف إيماء إلى القوة، غير أنه ليس كل ذوي السيوف سواء، وقد يحمل الجبان في كل يد سيفا، ويملك في داره مائة سيف, فهو إيماء، ولكن البطل قبل، ولكن البطل قبل.

مائة سيف يمهر بها الجبان قوته الخائبة، لا تغني قوته شيئا، ولكنها كالتدليس على من كان جبانا مثله. ويوشك أن يكون المهر الغالي كالتدليس على الناس وعلى المرأة، كي لا تعلم ولا يعلم الناس أنه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت المرأة لباهت النساء بيسر مهرها، فإنها بذلك تكون قد تركت عقلها يعمل عمله، وكفت حماقتها أن تفسد عليه.

فصاح رجل في المجلس: أيها الشيخ، أفي هذا من دليل أو أثر؟

قال الشيخ: نعم؛ أما من كتاب الله فقد قال الله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ [النساء: 1] . فهي زوجه حين تجده هو لا حين تجد ماله؛ وهي زوجه حين تتممه لا حين تنقصه، وحين تلائمه لا حين تختلف عليه؛ فمصلحة المرأة زوجة ما يجعلها من زوجها، فيكونان معا كالنفس الواحدة، على ما ترى للعضو من جسمه؛ يريد من جسمه الحياة لا غيرها.

وأما من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روينا: "إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".

فقد اشترط الدين، على أن يكون مرضيا لا أي الدين كان؛ ثم اشترط الأمانة، وهي مظهر الدين كله بجميع حسناته, وأيسرها أن يكون الرجل للمرأة أمينا، وعلى حقوقها أمينا، وفي معاملتها أمينا؛ فلا يبخسها ولا يعنتها، ولا يسيء إليها؛ لأن كل ذلك ثلم في أمانته؛ فإن ردت المرأة من هذه حاله وصفته من أجل المهر, تقدم إليها بالمهر من ليست هذه حاله وصفته، فوقعت الفتنة، وفسدت المرأة بالرجل، وفسد هو بها، وفسد النسل بهما جميعا، وأهمل من لا يملك، وتعنست من لا تجد، ويرجع المهر الذي هو سبب الزواج سببا في منعه، ويتقارب النساء والرجال على رغم المهر والدين والأمانة؛ فيقع معنى الزواج، ويبقى المعطل منه هو اللفظ والشرع.

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٠٧