تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتأويل، فسأل رجل من عرض المجلس، فقال: يا أبا محمد، إن رجلا يلاحيني في صداق بنته ويكلفني ما لا أطيق. فما أكثر ما بلغ إليه صداق أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصداق بناته؟

قال الشيخ: روينا أن عمر "رضي الله عنه" كان ينهى عن المغالاة في الصداق, ويقول: "ما تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم"1، ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله, صلى الله عليه وسلم.

وروينا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير النساء أحسنهن وجوها, وأرخصهن مهورا".

فصاح السائل: يرحمك الله يا أبا محمد، كيف يأتي أن تكون المرأة الحسناء رخيصة المهر، وحسنها هو يغليها على الناس؛ تكثر رغبتهم فيها فيتنافسون عليها؟

قال الشيخ: انظر كيف قلت, أهم يساومون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من أمرها شيء إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟ إنما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن خير النساء من كانت على جمال وجهها، في أخلاق كجمال وجهها، وكان عقلها جمالا ثالثا؛ فهذه إن أصابت الرجل الكفء، يسرت عليه، ثم يسرت، ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنسانا يريد إنسانا، لا متاعا يطلب شاريا، وهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلا على ارتفاع القيمة في عقلها ودينها؛ أما الحمقاء فجمالها يأبى إلا مضاعفة الثمن لحسنها، أي: لحمقها, وهي بهذا المعنى من شرار النساء، وليست من خيارهن.

ولقد تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت، وكان الأثاث: رحى يد، وجرة ماء، ووسادة من أدم حشوها ليف. وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير، وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين من سويق, وما كان به -صلى الله عليه وسلم- الفقر، ولكنه يشرع بسنته ليعلم الناس من عمله أن المرأة للرجل نفس لنفس، لا متاع لشاريه؛ والمتاع يقوم بما بذل فيه إن غاليا وإن رخيصا، ولكن الرجل يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يوما فيوما، فلا تزال بذلك عروسا على نفس رجلها ما دامت في معاشرته. أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٠٦