تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منصب الخلافة الصحيحة، يتوقف على إحياء الدين والشريعة، وإنما يكون هذا بالعلم الاستقلالي في الدين المعبر عنه بالاجتهاد المطلق، وهو يتوقف على إتقان اللغة العربية. . لأجل فهم الكتاب والسنة، فعلاقة هذا المنصب بلغة العرب وبتاريخ العرب وببلاد العرب جلي ظاهر، فثم مهبط الوحي، ومظهر الإسلام الحق، حيث قبلته ومشاعر دينه، وموضع إقامة الركن الاجتماعي العام من أركانه، ولا يمكن أن يماري في هذا من يماري في اشتراط النسب القرشي فيها خلافا لمذاهب السنة كلها، أو العلوي الفاطمي خلافا لمذاهب الشيعة وبخاصة الزيدية. . العرب قوة عظيمة للخلافة، ولكنها غير منظمة ولا متحدة كقوة الترك، والعمل بالشريعة في حكومات جزيرة العرب المستقلة وأهلها أتم وأكمل منه في بلاد الترك. . ولكن هذه الحكومات غير قاردة الآن على إظهار حضارة الإسلام ولا على نشر دعوته الصحيحة على الوجه الذي يحرك إلى النظر كما اشترط بعض علماء الكلام، والترك أقدر منهم على الأول وأعظم عونا على الثاني إذا قنعوا بإقامة الإمامة الحق على صراطها المستقيم، فكل من هذين الشعبين يمكن أن يكمل ما ينقص الآخر في ذلك مع استقلال كل منهما في إدارة بلاده وسياستها والسيادة فيها وارتباط كل حكومة مستقلة فيهما - وكذا في غيرهما - بمقام الخلافة مباشرة بالرضى والاختيار خضوعا لحكم الشرع في جهة، وانتفاعا بما يمكن من الوحدة الإسلامية في كل كل وقت بما يناسبه من جهة أخرى. .

لو اتفق رؤساء حكومة جزيرة العرب على جعل واحد منهم خليفة للمسلمين وبايعوه مع علماء بلادهم وقضاتها وقوادها لما كان للترك أدنى وجه لمعارضتهم بخليفة ينصبونه في الآستانة وإن أعطوه حقوق الإمامة الشرعية - وما هم بفاعلين - بل لو اتفق أهل الحجاز وتهامة ونجد أو أكثرهم على مبايعة إمام اليمن المشهود له بالعلم والعدالة والكفاية، وأعلن هذا أنه يجري على قواعد الاجتهاد في إمامته، ويقر أهل كل مذهب على مذهبهم لما استطاع أحد من علماء المسلمين، لا العرب ولا العجم، أن يطعن في خلافته، أو يرجح عليها خلافة أخرى. . إلا أن يتبع أحد هواه فلا يكون لقوله قيمة، ولا سيما إذا قام هذا الإمام بالإصلاح الديني في الحجاز وسائر بلاد العرب، ونظم قوى الإمامة التنظيم الذي تقتضيه حالة العصر وما هو بعسير، وإذا فات هذه الإمامة اعتراف بعض الأقطار الإسلامية بها اليوم فلا يفوتها ذلك غدا، بعد بث الدعوة ولو في موسم الحج وحده، والدين عون لهم وظهير، ولكن أكبر مصائب العرب التفرق وحب الرياسة.

الخلافة · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الخلافةص ٧٨