العقل، وكثرة الإصابة في الحكم، ثم هو مطاع مادام على المحجة، ونهج الكتاب والسنة، والمسلمون له بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه، " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " فإذا فارق الكتاب والسنة في عمله، وجب عليهم أن يستبدلوا به غيره ما لم يكن في استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. .
ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج (كراتيك) أي سلطان إلهي. فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن الله، وله حق الأثرة بالتشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان، فليس للمؤمن ما دام مؤمنا أن يخالفه، وإن اعتقد أنه عدو لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه، لأن عمل صاحب السلطان الديني وقوله في أي مظهر ظهراهما دين وشرع. . هكذا كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى، ولا تزال الكنيسة تدعي الحق في هذه السلطة كما سبقت الإشارة إليه. .
كان من أعمال التمدن الحديث الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، فترك للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد والأعمال فيما هو من معاملة العبد لربه، تشرع وتنسخ ما تشاء، وتراقب وتحاسب كما تشاء، وتحرم وتعطي كما تريد، وخول السلطة المدنية حق التشريع في معاملات الناس بعضهم لبعض، وحق السيطرة على ما يحفظ نظام اجتماعهم، في معاشهم لا في معادهم، وعدوا هذا الفصل منبعا للخير الأعم عندهم. .