تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات، والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم.

وإلا فأيُّ قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره، ويسكن إلى ما سواه، هذا ما لا يكون أبدًا.

ومن ذاق شيئًا من ذلك، وعرف طريقًا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وهواه، وشهواته ولذاته، وقع في آثار المعاطب، وجلب لنفسه الهموم والأحزان، واستبدل بأنسه وحشة، وبعزه ذلًا، وذلك لأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبًا عنها، مكبًا على وجهه.

فأبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر، ودعي فما أجاب، وفُتح له فولّي ظهره الباب.

قد ترك طريق مولاه، وأقبل بكليته على هواه، فانحط إلى أسفل سافلين، وصار في عداد الهالكين، وصارت روحه في وحشة من جسمه، وقلبه في ملال من حياته، فيكون معذبًا في الدنيا بتنغيص شهواته، وشدة اهتمامه بطلب ما لم يُقسَم له، وإن قسم له شيء فحشوه الخوف والحزن، والنكد والألم.

فهو في هم لا ينقطع، وحسرة لا تنقضي، وحرص لا ينفد، وذل لا ينتهي .. هذا في هذه الدار.

وأما في البرزخ فأضعاف أضعاف ذلك، قد حيل بينه وبين ما يشتهي، وفاته ما كان يتمناه، من قرب ربه، وكرامته، ونيل ثوابه، وأحضر جميع غمومه وأحزانه.

وأما في دار الجزاء فسُجن مع أمثاله من المبعدين المطرودين، ونار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.

فمن أعرض عن الله بالكلية أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه لزمه الشقاء والبؤس.

فإن الرب سبحانه إذا أعرض عن جهة دارت بها النحوس، وأظلمت أرجاؤها، وصارت مأوىً للشياطين، وهدفًا للشرور، ومصبًا للبلاء، فالمحروم كل

موسوعة فقه القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٧٨

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موسوعة فقه القلوبج ٢ · ص ١٧٧٨