وسقاهم ربهم شرابا طهورا
[الإنسان: 21] ثم قال:
إن هذا كان لكم جزآء
[الإنسان: 22] وقد يكون الإلتفات من (الخطاب) إلى (الغيبة) كما في قوله تعالى:
هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة
[يونس: 22] فقد كان الكلام مع المخاطبين، ثم جاء بضمير الغيبة على طريق الإلتفات.
قال أبو حيان في " البحر ": " ونظير هذا أن تذكر شخصا متصفا بأوصاف جليلة، مخبرا عنه إخبار الغائب، ويكون ذلك الشخص حاضرا معك، فتقول له: إياك أقصد، فيكون في هذا الخطاب من التلطف على بلوغ المقصود، ما لا يكون في لفظ (إياه) ".
اللطيفة التاسعة: وردت الصيغة بلفظ الجمع في الجملتين ﴿ نعبد ﴾ و ﴿ نستعين ﴾ ولم يقل: (إياك أعبد وإياك أستعين) وذلك لنكتة لطيفة، هي اعتراف العبد بقصوره عن الوقوف في باب ملك الملوك جل وعلا، وطلبه الاستعانة والهداية مفردا دون سائر العباد، فكأنه يقول: يا رب أنا عبد حقير، ذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف في مناجاتك بمفردي، بل أنا أنضم إلى سلك الموحدين، وأدعوك معهم، فتقبل دعائي معهم، فنحن جميعا نعبدك ونستعين بك.
وتقديم المفعول على الفعل ﴿ إياك نعبد ﴾ و ﴿ إياك نستعين ﴾ يفيد القصر والتخصيص كما في قوله:
وإيي فارهبون
[البقرة: 40] كما يفيد التعظيم والاهتمام به.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نعبدك ولا نعبد غيرك.
قال القرطبي: إن قيل: لم قدم المفعول ﴿ إياك ﴾ على الفعل ﴿ نعبد ﴾؟ قيل له: اهتماما، وشأن العرب تقديم الأهم، يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له الساب: إياك عني، فقال له الآخر: وعنك أعرض، فقدما الأهم، وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز نعبدك، ونستعينك، ولا نعبد إياك ونستعين إياك، وإنما يتبع لفظ القرآن، قال العجاج:
إياك أدعو فتقبل ملقي
واغفر خطاياي وكثر ورقي
وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك.
اللطيفة العاشرة: نسب النعمة إلى الله عز وجل ﴿ أنعمت عليهم ﴾ ولم ينسب الإضلال والغضب فلم يقل: (غضبت عليهم) وأضللتهم، وذلك جار على طريق تعليم الأدب مع الله عز وجل، حيث لا ينسب الشر إليه (أدبا) وإن كان منه (تقديرا) كما قال بعضهم: الخير كله بيديك، والشر ليس إليك.
فهو كقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين
[الشعراء: 78-80] فلم يقل: (وإذا أمرضني) أدبا. وكقوله تعالى على لسان مؤمني الجن:
وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا
[الجن: 10] فلم يقولوا: أشر أراد الله فتدبره فإنه دقيق.
الدقائق البيانية في سورة الفاتحة
قال أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط ": " وقد انجر في غضون تفسير هذه السورة الكريمة من علم البيان فوائد كثيرة لا يهتدي إلى استخراجها إلا من كان توغل في فهم لسان العرب، ورزق الحظ الوافر من علم الأدب، وكان عالما بافتنان الكلام، قادرا على إنشاء النثار البديع والنظام، وفي هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع:
النوع الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع، وناهيك حسنا أن يكون مطلعها مفتتحا باسم الله، والثناء عليه بما هو أهله من الصفات العلية.
النوع الثاني: المبالغة في الثناء وذلك العموم (أل) في الحمد المفيد للاستغراق.
النوع الثالث: تلوين الخطاب في قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ إذ صيغته الخبر ومعناه الأمر أي قولوا: الحمد لله.
النوع الرابع: الاختصاص باللام التي في (لله) إذ دلت على أن جميع المحامد مختصة به تعالى إذ هو مستحق لها جل وعلا.
النوع الخامس: الحذف وذلك كحذف (صراط) من قوله تعالى: ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ﴾ التقدير: غير صراط المغضوب عليهم، وغير صراط الضالين.