تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ه - واستدلوا بما رواه مسلم عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين.

و - واستدلوا بما رواه مسلم أيضا عن (إياس بن سلمة) عن أبيه قال: " خرجنا مع أبي بكر رضي الله عنه، وأمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال يا سلمة: هب لي المرأة - يعني التي نفله أبو بكر إياها - فقلت يا رسول الله: لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا.

ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق، فقال يا سلمة: هب لي المرأة لله أبوك!! فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبا.. فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففدى بها ناسا من المسلمين أسروا بمكة ".

ز - واستدلوا بالمعقول وهو: أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر، للانتفاع بالمسلم، لأن حرمته عظيمة، وأما الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إلى المشركين، فيدفعه نفع المسلم الذي يتخلص من فتنتهم وعذابهم، وضرر واحد يقوم بدفعه واحد مثله فيتكافئان، وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى، وفيها زيادة ترجيح.

هذه خلاصة أدلة الجمهور بالنسبة (للفداء) سواء كان بالمال أو بالرجال على ما عرفت.

وأما (المن) على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز (عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد) وأجازه الإمام الشافعي لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم من على (ثمامة بن أثال) سيد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وقال صلى الله عليه وسلم: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له ". فقوله صلى الله عليه وسلم ذلك دليل على جواز المن على الأسرى.

الترجيح:

وبعد استعراض هذه الأدلة من الفريقين نرى أن الأرجح أن يفوض أمر الحرب لأهل الاختصاص من ذوي الرأي والبصر، يفعلون ما تقضي به المصلحة العامة، فإن رأوا قتل الأسرى قتلوهم، وإن رأوا أخذ الفداء بالمال أو بالأسرى، فادوهم، وإن رأوا إبقاءهم في الأسر تركوهم تحت أيدي المسلمين، فيترك لهم تقدير المصلحة حسب الظروف التي هم فيها، وهذه من (السياسة الحكيمة) التي ينبغي أن تتوفر في قادة المسلمين.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كله، فأسر من أسر، وقتل من قتل، وفادى من فادى منهم، وأطلق سراح من أطلق دون مال ولا فداء. وما نزل من آيات العتاب في سورة الأنفال فإنما كان بتوجيه إلهي حكيم - حسب المصلحة أيضا - حيث نزلت هذه الآيات الكريمة في (غزوة بدر) وهي أول حرب يخوضها المسلمون مع أعدائهم، فكانت المصلحة تقضي بترجيح جانب الشدة على جانب الرحمة، بالقتل، والإثخان، وإراقة الدماء، حتى لا يطمع المشركون بالإقدام على حرب المسلمين مرة أخرى، وحتى تقلم أظافر الكفر منذ اللحظة الأولى، فإذا علم المشركون أن لا رحمة في قلوب المسلمين عليهم، هابوهم وتخوفوا من الإقدام على حربهم، وهذا ما كان قد أشار به الفاروق عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن موافقا لرأيه.

ولما كثر عدد المسلمين، وقويت شوكتهم، وأصبحت الدولة بأيديهم نزل القرآن الكريم بالمن والفداء على الأسرى، بعد أن توطدت دعائم الدولة الإسلامية، وأصبح صرح الإسلام شامخا عتيدا، فكان المن عن قوة، لا عن ضعف، وعن عزة، لا عن ذلة واستكانة.

فالمصلحة العامة هي التي ينبغي أن تراعى في مثل هذه الحالات، والحرب مكر وخديعة، ولا عزة للضعفاء المستكينين.

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

أولا: المؤمن يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فينبغي أن يكون شجاعا مقداما.

ثانيا: إثخان العدو بكثرة القتل فيهم والجروح، من أجل إضعاف شوكتهم وتوهين قوتهم.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٣٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٣٧٢