وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65].
قال أبو السعود: وتقديم داود على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر، فإن ما حقه التقديم إذا أخر، تبقى النفس مترقبة له، فإذا ورد يتمكن عندها فضل تمكن.
اللطيفة الثالثة: ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم ست عشرة مرة، ولم يجئ ذكره لتوفية قصة بتمامها، وإنما هو لتعداد آلاء الله على سليمان، فمنها ذكاؤه وبصره النافذ في الحكم والقضاء
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث
[الأنبياء: 78] إلى قوله تعالى:
ففهمناها سليمان
[الأنبياء: 79] ومنها تعليمه منطق الطير
وورث سليمان داوود وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير
[النمل: 16] ومنها تسخير الريح له تجري بأمره رخاء حيث أصاب ﴿ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ ومنها إسالة عين القطر وهو النحاس المذاب، وفي القرآن إشارة إلى عملية صهر المعادن الصلبة ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ ومنها تسخير الجن يعملون له ما يعجز عنه البشر
والشياطين كل بنآء وغواص
[ص: 37] وقوله: ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ﴾ وقد أعطاه الله الجاه الكبير، والسلطان الواسع، والملك العظيم الذي لم يعطه أحد بعده
قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي
[ص: 35].
وكل هذا من الفضل الذي خص الله تبارك وتعالى به آل داود عليه السلام.
اللطيفة الرابعة: قال العلامة أبو السعود رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ يجبال أوبي معه والطير ﴾. " في تنزيل الجبال والطير منزلة العقلاء المخاطبين، المطيعين لأمره تعالى، المذعنين لحكمه، المشعر بأنه ما من حيوان وجماد وصامت وناطق، إلا وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته، من الفخامة المعربة عن غاية عظمة شأنه تعالى، وكمال كبرياء سلطانه ما لا يخفى على أولى الألباب ".
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي مسيرة شهر فهو على حذف مضاف والتقدير: غدوها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر، وإنما وجب هذا التقدير لأن الغدو والرواح ليسا بالشهر، وإنما يكونان فيه، فتنبه له فإنه دقيق.
قال قتادة: " كانت الريح تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين ".
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ﴾ الآية فإن قيل: إن الاجماع بالجن فيه مفسدة للإنسان ولهذا قال تعالى:
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون
[المؤمنون: 97-98] فكيف سخرت الشياطين لسليمان عليه السلام؟
فالجواب: أن ذلك الاجتماع والتسخير كان بأمر الله عز وجل وتسخيره بدليل قوله: ﴿ بإذن ربه ﴾ فلم يكن فيه مفسدة وإنما كان فيه مصلحة لسليمان عليه السلام، ولفظ الرب ينبئ عن التربية والحفظ والرعاية، فسليمان عليه السلام كان في حفظ الله ورعايته، فلذلك لم يصله ضرر من جهتهم.
اللطيفة السابعة: قوله تعالى: ﴿ ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ﴾ في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى أن الجن الذين كانوا مسخرين لسليمان، لم يكونوا من المؤمنين وإنما كانوا من المردة الكافرين، لأن سليمان لا يعذب المؤمنين ولا يذيقهم أنواع العذاب، لأن كل رسول يكون رحيما بأتباعه. ودل على هذا المعنى أيضا قوله تعالى: ﴿ ما لبثوا في العذاب المهين ﴾ لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين.
اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ فيه إشارة إلى أن الشكر الوافر الكامل، بالقلب واللسان والجوارح لا يمكن أن يتحقق، لأن التوفيق لشكر الله تعالى نعمة من الله تستدعي شكرا آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه و