قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد...
[الكهف: 110].
ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه بدعا من الرسل، حتى يخالف سنتهم، أو ينقض طريقتهم، فالرسل الكرام قد حكى القرآن الكريم عنهم بقول الله جل وعلا:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية...
[الرعد: 38].
فعلام إذا يثيرون هذه الزوابع الهوج في حق خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام؟
ولكن كما يقول القائل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وصدق الله حيث يقول:
فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
[الحج: 46].
" رد الشبهة "
هناك نقطتان جوهريتان، تدفعان الشبهة عن النبي الكريم، وتلقمان الحجر لكل مفتر أثيم، يجب ألا نغفل عنهما، وأن نضعهما نصب أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين، وعن حكمة تعدد زوجاته الطاهرات، رضوان الله عليهن أجمعين.
هاتان النقطتان هما:
أولا: لم يعدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم زوجاته إلا بعد بلوغه سن الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين.
ثانيا: جميع زوجاته الطاهرات ثيبات (أرامل) ما عدا السيدة عائشة رضي الله عنها فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي في حالة الصبا والبكارة.
ومن هاتين النقطتين ندرك - بكل بساطة - تفاهة هذه التهمة، وبطلان ذلك الادعاء، الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون.
فلو كان المراد من الزواج الجري وراء الشهوة، أو السير مع الهوى، أو مجرد الاستمتاع بالنساء، لتزوج في سن (الشباب) لا في سن (الشيخوخة) ولتزوج (الأبكار الشابات)، لا (الأرامل المسنات)، وهو القائل لجابر بن عبد الله حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: " هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: بكرا أم ثيبا؟ قال: بل ثيبا، فقال له صلوات الله عليه: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك "؟
فالرسول الكريم أشار عليه بتزوج البكر، وهو عليه السلام يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار. ويتزوج في سن الشيخوخة، ويترك سن الصبا، إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟!
إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهجهم وأرواحهم، ولو أنه طلب الزواج لما تأخر أحد منهم عن تزويجه بمن شاء من الفتيات الأبكار الجميلات، فلماذا لم يعدد الزوجات في مقتبل العمر، وريعان الشباب، ولماذا ترك الزواج بالأبكار، وتزوج الثيبات؟
إن هذا - بلا شك - يدفع كل تقول وافتراء، ويدحض كل شبهة وبهتان. ويرد على كل أفاك أثيم، يريد أن ينال من قدسية الرسول، أو يشوه سمعته فما كان زواج الرسول بقصد (الهوى) أو (الشهوة) وإنما كان لحكم جليلة، وغايات نبيلة، وأهداف سامية، سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها، إذا ما تركوا التعصب الأعمى، وحكموا منطق العقل والوجدان. وسوف يجدون في هذا الزواج (المثل الأعلى) في الإنسان الفاضل الكريم، والرسول النبي الرحيم، الذي يضحي براحته في سبيل مصلحة غيره، وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام.
حكمة تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم
إن الحكمة من " تعدد زوجات الرسول " كثيرة ومتشعبة، ويمكننا أن نجملها فيما يلي.
أولا: الحكمة التعليمية.
ثانيا: الحكمة التشريعية.
ثالثا: الحكمة الاجتماعية.
رابعا: الحكمة السياسة.
ولنتحدث باختصار عن كل من هذه الحكم الأربع، ثم نعقبها بالحديث عن أمهات المؤمنين الطاهرات، وحكمة الزواج بكل واحدة منهن استقلالا فنقول ومن الله نستمد العون.
أولا: الحكمة التعليمية:
لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم هي تخريج بضع معلمات للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية، فالنساء نصيف المجتمع، وقد فرض عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال.