وجوه القراءات
قرأ الجمهور ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوآف ﴾ جمع صافة، وقرئ (صوافن) جمع صافنة وهي القائمة على ثلاث قوائم والرابعة مرفوعة، وقرئ (صوافي) جمع صافية بمعنى خالصة لله تعالى.
وجوه الإعراب
أولا: قوله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها ﴾ البدن: مفعول مقدم لجعلنا مثل قوله تعالى:
والقمر قدرناه
[يس: 39] وقرئ برفعها (والبدن) على الابتداء.
ثانيا: قوله تعالى: ﴿ لكم فيها خير ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم و(خير) مبتدأ مؤخر.
ثالثا: قوله تعالى: ﴿ صوآف ﴾ منصوب على الحال وهو حال من المفعول البدن.
رابعا: قوله تعالى: ﴿ كذلك سخرناها لكم ﴾ كذلك: نعت لمصدر محذوف تقديره سخرناها لكم تسخيرا كذلك التسخير العجيب، وعلى هذا تكون الكاف صلة، ويصح أن تكون على معناها مفيدة للتشبيه ويكون ذلك من تشبيه الشيء بنفسه مبالغة.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: بين الباري جل وعلا أن تسخيره الأنعام لبني آدم، نعمة من إنعامه تستوجب الشكر وقد جاء هذا الامتنان على العباد (مجملا) في هذه الآية ﴿ لكم فيها خير ﴾ وجاء التفصيل في آيات أخرى كقوله تعالى:
أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون
[يس: 71-73] وكقوله:
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم
[النحل: 5-7].
اللطيفة الثانية: المراد من قوله تعالى: ﴿ من شعائر الله ﴾ أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله لعباده، وإضافتها إلى الله جل وعلا للتعظيم مثل
ناقة الله
[الأعراف: 73]، و(بيت الله) وإنما كانت هذه البدن من الشعائر، لأن الغرض منها التقرب إلى الله بالهدايا والضحايا وغيرها من وجوه البر والإحسان.
اللطيفة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوآف ﴾ إشارة لطيفة إلى أن الإبل لا تذبح ذبحا وإنما تنحر نحرا، وأن المطلوب عند نحرها أن تكون قائمة قد صفت أيديها وأرجلها، فإن ذلك هو الطريق الأمثل في ذبح الإبل كما وضحته السنة النبوية المطهرة.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل تطلق البدن على الإبل والبقر؟
اتفق العلماء على أن البدن اسم للواحد من الإبل ذكرا كان أو أنثى، فهي تطلق على الإبل باتفاق، وقد اشتهر في الشرع إطلاقها على البعير يهدى إلى الكعبة، واختلفوا هل تطلق البدنة على البقرة؟ باعتبار أنها تجزئ في الهدي والأضحية عن سبعة كالبعير على مذهبين:
أولا - مذهب الحنفية: أن البدنة تطلق على البقرة كما تطلق على البعير، فهي من قبيل المشترك في المعنيين، فمن نذر بدنة أجزأته بقرة فهي مثلها في اللفظ والحكم، وبهذا قال (عطاء) و(سعيد بن المسيب) واستدلوا بما يلي:
1 - روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: " كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ قال: وهل هي إلا من البدن "؟
ب - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر.
ثانيا - مذهب الشافعية: أما الشافعية فقالوا: لا تطلق البدن بالحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر إنما يكون مجازا، فلو نذر بدنة لا تجزئه بقرة، وبهذا قال (مجاهد).
ودليلهم ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال:
" تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة "
قالوا: فهذا يدل على ما قلنا لأن العطف يقتضي المغايرة.
والظاهر أن اسم البدنة حقيقة في الإبل لقوله تعالى: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صوآف ﴾ فالإبل هي التي تنحر واقفة بخلاف البقر فإنها تذبح ذبحا، وقول جابر: وهل هي إلا من الإبل؟ وقول ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر، فمحمول على أنهما أرادا اتحاد الحكم فيهما، وهذا شيء غير اشتراك اللفظ بينهما والله أعلم.