حجة الحنفية والشافعية أن الأيدي في قوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ تشمل العضو كله، إلا أن التيمم لما كان بدلا عن الوضوء، والبدل لا يخالف الأصل إلا بدليل، وقد وجب الغسل إلى المرافق في الوضوء فيجب أن يكون المسح إلى المرافق في التيمم. واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله " التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين ".
حجة المالكية والحنابلة: أن اليد تطلق على الكف بدليل قوله تعالى:
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما
[المائدة: 38] وقطع اليد إنما يكون إلى الرسغ باتفاق، فيجزئ في التيمم ذلك.
قال في " البحر المحيط ": " وروي عن أبي حنيفة والشافعي أنه يمسح إلى المرفقين فرضا واجبا، وذهب طائفة إلى أنه يبلغ به إلى الرسغين وهو قول أحمد والطبري والشافعي في القديم وروي عن مالك. وروي عن الشعبي أنه يمسح كفيه فقط، وبه قال بعض فقهاء الحديث، وهو الذي ينبغي أن يذهب إليه لصحته في الحديث، ففي " مسلم " من حديث عمار
" إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض ثم تنفخ وتمسح بها وجهك وكفيك "
وعنه في هذا الحديث
" وضرب بيده الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه "
وللبخاري
" ثم أدناهما من فيه ثم مسح بهما وجهه وكفيه "
، فهذه الأحاديث الصحيحة مبينة ما تطرق إليه الاحتمال في الآية من محل المسح وكيفيته.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولا: إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى).
ثانيا: إباحة نكح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات.
ثالثا: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر شرط لصحة الصلاة.
رابعا: إذا فقد الماء أو تعذر استعماله يباح حينئذ التيمم.
خامسا: الإسلام دين اليسر وليس في الشريعة حرج أو ضيق.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
من أهداف الشريعة الغراء العناية بطهارة الإنسان، وتخليصه من الأقذار الحسية والمعنوية في الباطن والظاهر، وإعداده الإعداد الروحي الذي يؤهله للوقوف في حضرة القدس، ويسمو به إلى آفاق مشرقة من الجلال والبهاء والكمال.
وقد شرع الإسلام الوضوء والغسل للمؤمن ليكون مظهرا دالا على طهارة الظاهر، كما دعا إلى اجتناب المعاصي والآثام ليكون عنوانا على طهارة الباطن، فالوضوء والغسل إنما يقصد منهما النظافة وهي (طهارة حسية) تعود الإنسان على حياة الطهر في النفس، والخلق، والدين، وتجعله يعتاد طريق النظافة في شتى شؤون حياته، وفي بدنه وملبسه ومطعمه، وقد حض الإسلام على ذلك لأنه دين الطهارة والنظافة
وثيابك فطهر
[المدثر: 4] وطهارة الظاهر جزء من طهارة الباطن.
ولا عجب أن تعنى الشريعة الغراء بطهارة الإنسان (فالطهور شطر الإيمان) كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد بين جل ثناؤه الحكمة من تشريع هذه الأحكام في ختام الآية الكريمة بقوله ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ فالطهارة أساس في حياة المسلم، وإذا كان الله تعالى لا يقبل الصلاة إلا بطهارة الظاهر، فكيف يقبل من تلطخ بالقاذورات والنجاسات المعنوية فيدخله دار الأنس في جواره الكريم يوم القيامة؟!
إن الإسلام دين الطهارة وطهارة الظاهر فرع، وطهارة الباطن أصل، وطهارة الظاهر شرط لصحة الصلاة، كما أن طهارة الباطن شرط لدخول الجنة
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم
[الشعراء: 88-89] وهما جميعا سبب لمحبة الله
إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
[البقرة: 222].