تاريخ هذه التحية:
يرجع تاريخ هذه التحية إلى الأيام الأولى لخلق الإنسان، كما جاء في حديث أبي هريرة، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام قال له: "اذهب فسلم على أولئك النفر -وهم نفر من الملائكة جلوس- فاستمع ما يجيبونك، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال فزادوه: ورحمة الله" (1). وبذلك أصبح السلام هو التحية التي اختارها الله تعالى للأنبياء، وغيرهم من عباد الله الصالحين (2).
الحكمة من اختيار هذا اللفظ تحيةً في الإسلام:
ذكر الرازي مما تمتاز به هذه التحية في نقاط فقال: "واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله، وبيانه من وجوه:
الأول: أن الحي إذا كان سليمًا كان حيًّا لا محالة، وليس إذا كان حيًّا كان سليمًا، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات.
الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله، أو بصفة من صفاته، الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله.
الثالث: أن قول الإنسان لغيره: السلام عليك، فيه بشارة بالسلامة، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل (3).
معنى هذه التحية ودلالاتها السِّلمية:
تطلق كلمة "السلام" في لغة العرب على معان، منها:
1. السِّلم: قال الفرّاء: وسِلْم وَسَلام وَاحِد.
2. السلامة: وهي البراءة من جَمِيع الْآفَات والنقائص (4). ومنه اسم الله تعالى (السلام)، لسلامته مما يلحق المخلوقين من الآفة والعجز والنقص والفناء. وغير ذلك من
(1) الجامع الصحيح، البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، 8/ 50/6227؛ الجامع الصحيح، مسلم بن الحجاج، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، 4/ 2183/2841.
(2) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، 6/ 153. وكذلك قال الماوردي في تعليقه على هذه الآية: إنها تدل "على أن السلام تحية الملائكة والمسلمين جميعًا". النكت والعيون، الماوردي، 2/ 482.
(3) مفاتيح الغيب، الرازي، 10/ 161. وانظر: لباب التأويل، الخازن، 1/ 404. وانظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، 2/ 144 - 145؛ أحكام أهل الذمة، ابن القيم، 1/ 419 - 420.
(4) تهذيب اللغة، الأزهري، 12/ 310؛ لسان العرب، ابن منظور، 12/ 289.