بعد أن تحدثت السورة عن معركة الإسلام مع خصومه من المشركين واليهود والنصارى أي الكفار الواضحين انتقلت إلى فضح دور المنافقين في هذه المعركة في حديث مسهب عن صفاتهم وتصرفاتهم وأساليبهم ونواياهم المريضة التي يحاولون إخفاءها جاهدين وتلميعها وابتغاء التبريرات الظاهرة لتسويغها وتمريرها. لكن القرآن يكشفها ويفضحها رافضاً أي تعليل واعتذار أو محاولة التقاء وهمي في وسط الطريق. وفي ذلك إرشاد لنا إلى ضرورة هتك الأستار وتمزيق اللافتات التي يرفعها هؤلاء المفترون وعدم الاعتراف بأي شعار أو عنوان لهم حتى لا نعطي لهم فرصة التستر بها والعمل من ورائها أو خلالها.
ـ المنهج ملخص في الفضح والإنكار فقط:
لم أجد في السورة سوى شيء واحد هو (البراءة) من المنافقين، والنكير الشديد عليهم، وفضح جميع ما يتعلق بدورهم من تفاصيل. أما دعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى الحق فلم أجد لها أثرا سوى إشارات خفيفة قليلة هي إلى اليأس من توبتهم أقرب منها إلى الطمع فيها. وهو فرق أصيل ومهم في تفاصيل المنهج يعززه ويبرزه، ويبطل أساس المنهج الترضوي.
هذه الإشارات جاءت في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ(59) ﴾ و(لو) حرف امتناع لامتناع، يشير إلى اليأس والعدم أكثر من الوجود والطمع.
وفي قوله: ﴿ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61) ﴾