إن هذا يذكرني بالرد الإلهي العنيف البعيد عن الوسطية على اليهود حين غلوا في شأن القبلة وجعلوا منها قضية ومشكلة اشغلوا بها المجتمع المدني حينا من الزمن، وأثاروا من ورائها غبارا كثيفا من التشكيك والبلبلة ملأ الجو كله. وكانت شبهات قوية كادت تزعزع الصف الداخلي حتى قال سبحانه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(114)وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115) ﴾ البقرة. لا سيما وقد جندوا اخوانهم المنافقين معهم في هذه المهمة الخطيرة والفتنة المستطيرة.
لقد ناقش القرآن هذا الأمر مطولاً. ومن خلال النقاش نرى أن اليهود قد غلوا في موضوع القبلة -لحاجة في أنفسهم- غلواً كبيراً. فكان الرد من جنس الفعل غلوا في التهوين من شأنها، حتى إن صيغة الخطاب القرآني جاءت تنفي في ظاهرها أن يكون التوجه إلى هذا الاتجاه أو ذاك من البر: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ..(177) ﴾ البقرة. مع أن التوجه إلى الكعبة ركن من أركان الصلاة لا تتم إلا به فكيف لا يكون من البر لولا أن الاعتدال والوسطية في وسط الجنوح والتطرف اعوجاج.