ويظهر أن (المهدي) نفسه أصيب –هو الآخر- بهذه العقدة المزمنة –عقدة الشك وعدم الثقة بالآخرين. فرغم تغير الأحوال وظهور دول تنادي صباح مساء- حتى بحت أصواتها- بخروجه وفرجه العاجل، إلا أن المسكين لا يصدق كلامهم ولا يثق بأحد منهم! فمن يدري لعلهم نصبوا له كميناً وهذا النداء ما هو إلا خديعة ومكر أو فخ لاصطياده فهو مستمر بالاختفاء وعدم الظهور حتى يفاجأ بيوم النشور! وإلا لخرج منذ زمن بعيد.
وبسبب هذه العقدة فإن الإحسان لا يجدي معهم نفعا رغم أن المرء مجبول على حب من أحسن إليه. إلا (الفارسي) لشكه، وتوجسه، ووجود عقد أخرى تتساند فيما بينها كالدونية وعقدة الشعور بالنقص فهو لئيم يكره من يحسن إليه لظنه إنما يريد إذلاله! فهو كما قال الشاعر
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فإذا لنت معهم بالكلام قالوا: ضعيف. وإن أحسنت إليهم قالوا: متملق. وإن أعلنت بالإخوة قالوا: ماكر مخادع. وإن تقربت منهم قالوا: كيد وخطة مدبرة! وهي أخلاقهم (يسقطونها) على الآخرين!
ومما ينسب إلى سيدنا علي - رضي الله عنه - في هذا المجال قوله: عجبت لقوم إذا أكرمتهم احتقروك، وإذا احتقرتهم أكرموك!
وإذا استقرينا التاريخ فقد لا نجد أحدا أحسن إليهم كالخليفة العباسي المأمون بن الخليفة الرشيد حتى أفضى بولاية العهد إلى العلوي علي بن موسى ولقبه بـ(الرضا) حتى صار علماً عليه، وزوجه ابنته!
لقد كلف هذا الأمر وهو نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي تضحيات جسيمة وخسائر فادحة كادت أن تودي بملكه إذ ثار عليه العرب في بغداد وبايعوا بدله عمه إبراهيم خليفة للمسلمين الذي تلقب بـ(المبارك) واستمرت الحروب بينهما سنتين أزهقت فيها آلاف الأنفس!