القاعدةُ الثانية: برُّوا آباءَكم تبركم أبناؤكم, فالجزاء من جنس العمل, والحياة دَين ووفاء, فمن برَّ والديه برّه أبناؤه, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يُروى عنه : ﴿بروا آباءكم تبركم أبناؤكم﴾. رواه الحاكم وصححه[15]
قال ابن القيم رحمه الله: وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَزَاءُ مُمَاثِلًا لِلْعَمَلِ مِنْ جِنْسِهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَذَلَ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ فِيهِ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ نُصْرَتهُ فِيهِ، وَمَنْ سَمَحَ سَمَحَ اللَّهُ لَهُ، وَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، وَمَنْ أَنْفَقَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَوْعَى أَوْعَى عَلَيْهِ، وَمَنْ عَفَا عَنْ حَقِّهِ عَفَا اللَّهُ لَهُ عَنْ حَقِّهِ، وَمَنْ تَجَاوَزَ تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ اسْتَقْصَى اسْتَقْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا شَرْعُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ وَوَحْيُهُ وَثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ كُلُّهُ قَائِمٌ بِهَذَا الْأَصْلِ. ا.ه[16]
وإنك لا تكاد تجد مَن عقَّ والديه إلا رُزق بأولادٍ يعقُّونه, ويُنغِّصون عليه حياته, ولا تكاد تجد من برَّ والديه إلا رُزق بأولادٍ برَرَة, ويُدخلون عليه السرور والبهجة.
وكم مِن إنسانٍ عامَل أبناءه بأرقى الأساليب, وأحسن التعامل, ولكنه في النهاية لم يُوَفَّق في كسب وُدِّهم, وصلاح حالهم, ولو فتَّش لرأى السبب الرئيس في ذلك: تقصيرَه في حق والديه, أو عدمَ اعتمادِه على الله سبحانه في تربيتهم, بل اعتمد على ثقافته وشخصيَّته.
وإنه لا سعادة ولا فوز ولا توفيق لك إلا في رضا والديك عنك، فكم من أناسٍ حُرموا لذة الحياة الدنيا, ولذة الأنس بأولادهم, والتوفيق في حياتهم, والأعمال الصالحة التي تُقربهم إلى ربهم, بسبب عقوق الوالدين وعصيانهما ، فهم من نكد إلى نكد ، ومن مصيبة إلى أخرى ، فكانت عاقبتهم وخيمة، وخاتمتهم سيئة ، بسبب عقوق الوالدين.
[15] (7258).
[16] أعلام الموقعين 1/ 150