مقارنة بين المربي الأول صلى الله عليه وسلم، وبين تربية أكثر الآباء والأمهات:
وأخيراً: فلْنعقد مُقارنةً بين الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, الذي اسْتطاع بحنكته وحكمته, وبأخلاقه وحسن تعامله أنْ يُربي الأطفال والشباب والرجال أحسن تربيةٍ, ويجعل منهم قادةً جذبوا بتعاملهم قلوب العباد, وفتحوا بعدلهم أرجاء البلاد, وتربية أكثر الآباء والأمهات, فعندها نعرف كم هي تربيتهم مُجانبةٌ للصواب, ومُخالفةٌ للمنهج الصحيح في التربية:
1- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم وهو في أكبر أشغاله وأهمِّها يُعطي الأطفال حاجتهم من اللهو واللعب والاستمتاع, فقد كان يخطب الناس يوماً على المنبر، فأقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وحملهما بين يديه وقال: صدق الله (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) ، نظرت إلى هذين الصبيين يعثران فلم أصبر\".[86]
وجاء مرةً إلى المسجد حاملاً بنت بنته \"أمامة\"، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو يصلي بالناس, إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. متفق عليه[87]
فليس هناك شغلٌ أعظم من هذا الشغل, ومع ذلك لم يُشغله ما هو فيه عن إعطاء الأطفال ما يحتاجونه من اللعب والتسلية.
بل ربما أمضى الكثير من الوقت لأجل إشباع رغباتهم -مع ما هو فيه من شغلٍ في الجهاد والدعوة والتعليم وتبليغ الدين-, تقول عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَسْأَمُ.
قالت: فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ. رواه البخاري[88]
وأما واقع الكثير من الآباء والأمهات فهم مشغولون عن أبنائهم بالطبخ والمكالمات, والأحاديث الجانبية, وهي مع تفاهتها إلا أنهم مع ذلك لا يَقْبَلون أثناءها مِن الأطفال أيَّ شيءٍ من مزاحٍ وابتسامةٍ وغيرها.
2- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان لا يُعاقب ولا يُعاتب الأطفال على تقصيرهم, بل ولا على عصيانهم لأوامره, يقول أَنَسٌ رضي الله عنه: أَرْسَلَنِي النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَذْهَبُ. وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ, فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَبَضَ بِقَفَاي مِنْ وَرَائي, قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ». قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رواه مسلم[89]
سبحان الله! أيُّ أخلاقٍ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتعامل بها؟
قال القرطبيُّ رحمه الله: وقول أنس : (( والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب )) ؛ هذا القول صدر عن أنسٍ في حال صغره ، وعدم كمال تمييزه ؛ إذ لا يصدر مثله ممَّن كمل تمييزه , وذلك أنه حلف بالله على الامتناع من فعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهةً ، وهو عازمٌ على فعله، فجمع بين مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الإخبار بامتناعه ، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله ، وفيه ما فيه ، ومع ذلك فلم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم لشيءٍ من ذلك ، ولا عرَّج عليه ، ولا أدَّبه , بل داعبه ، وأخذ بقفاه ، وهو يضحك رفقًا به ، واسْتِلْطافًا له ، ثم قال : (( يا أنيس ! اذهب حيث أمرتك )) ، فقال له : أنا أذهب . وهذا كله مقتضى خلقه الكريم ، وحلمه العظيم. ا.ه كلامه[90]
وأما الكثير من الآباء والأمهات فحدِّث ولا حرج في تعاملهم مع أطفالهم عندما يفعلون كفعل أنسٍ من التصريح بالمخالفة والعصيان, فالبعض يُبادر بالضرب, والآخر يتهجَّم عليه بالسبِّ والتهديد, إلى غير ذلك من الأساليب الجافة, وليس في قاموسهم العفو والصفح, ولا الحوار والنقاش عن سبب مُخالفتهم وعصيانهم.
وهنا سُؤالٌ يستحقُّ الوقوف عنده والتأمُّل فيه: كيف تجرَّأ أنسٌ على إعلان عصيانه ومُخالفته, مع ما يراه من النبي صلى الله عليه وسلم من الحفاوة والإكرام؟
والجواب: لأنه مع كثرة عِشْرته وتعامله معه صلى الله عليه وسلم رأى فيه اللِّين واللُّطف, والسماحة والرحمة, التي جرَّأته على ذلك.
وتأمل أيضاً أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعتبر ما فعله أنسٌ هدراً لكرامته, ولا تنقُّصاً من قيمته, ولا تقليلاً لهيبته - كما يعتبره ذلك أكثر الآباء والأمهات-, بل اعتبر ذلك أمراً هو من طبيعة وجبِلَّةِ الأطفال, بل وجدها فرصةً سانحةً لِمُداعبته والضحك في وجهه, فهل تعتقد أنَّ هذا الْمَوقف يمرُّ على أنسٍ دون أنْ يُحدث فيه شيئاً؟ لا والله, فقد أثَّر هذا الموقف عليه تأثيراً بالغاً.
3- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان لا يُعاتب الأطفال, ولا يُكثر عليهم اللوم والتوبيخ, فهذا أَنَس رضي الله عنه خادمه الصغير يقول: \" خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، لَا وَاللهِ مَا سَبَّنِي سَبَّةً قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَّا فَعَلْتَهُ \".[91]
الله أكبر! عشر سنوات في الخدمة ما سبه أبداً , بل ولم يقل له ولو مرةً واحدةً: أفّ, ولم يلمه على أيِّ عملٍ عمله.
وأما الكثير من الآباء والأمهات فيلومون أولادهم في اليوم أكثر من عشر مرَّات, بل ويسبُّونهم ويُعاتبونهم, فينشأ الطفل بليداً, نافراً من الأبوين, لا يكون لأمرهم ونهيهم وتوجيههم أثرٌ كبيرٌ عنده؛ بسبب كثرة ما سمع من النقد واللوم والتوبيخ.
4- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان يُناديهم بأحسن الأسماء والعبارات, ويُسمِّيهم بأجمل الألقاب والكنايات, فيُنادي ابن عباسٍ رضي الله عنهما: يا غلام, ويُنادي طفلةً صغيرةً: يا أمَّ خالد, ويُنادي طفلاً صغيراً آخر: يا أبا عُمَير, فيُضْفي على هؤلاء الأطفال بهذا النداء وهذه الأسماء شعوراً بالحب والحنان والرحمة, ويشعرون خلالها بمكانتهم وأهمِّيتهم.
وأما الكثير من الآباء والأمهات فنداؤهم يُوحي بالإحباط, والشعور بالنقص, فبعضهم يُنادي طفله: يا غبي, والآخر: يا مجنون, والآخر: يا ولد, والمحسن منهم من يُناديه دوماً باسمه مُجرَّداً عن كنيةٍ جميلة, أو لقبٍ يُعجبه.
5- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان يُعطي الطفلَ حقَّه ومكانته, ويستشيره ويأخذ برأيه, بل ويستأذنه أيضاً!, أُتِيَ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ مِن ماء, فَشَرِبَ منه, ثم نظر في وجوه القوم, فإذا عَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ هُوَ أصغرهم, وَالأَشْيَاخُ والكبار عَنْ يَسَارِهِ, فقَالَ: يَا غُلاَمُ, أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟ فَقَالَ الطفل الصغير: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ, فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. متفق عليه[92]
هكذا يعطي صلى الله عليه وسلم للصبيِّ قيمته, ويُشعرُه بأهمِّيَّتِه وقدْرِه, حيث يستأذنه بكلِّ أدبٍ ولطفٍ \" أَتَأْذَنُ لِي \"!
وأما الكثير من الآباء والأمهات فربما لم ينطق أحدُهم بهذه الكلمة, ولم تمرّ على لسانه إلا إذا خاطب أصحاب الشخصيات الكبيرة المرموقة!, وأما أبناؤه وأحبابه فلا يُفكر أن يقولها, ولا يستسيغ نطقها.
وأما الاستشارة فآخر من يستشيره هو ولده, فلا يستشيره في اختيار ملابسه, ولا في مكان النزهة التي سيذهبون إليها, ولا فيما يتعلق بالبيت والأسرة, مُعلِّلاً ذلك بأنه ما زال صغيراً لا يُؤخذ برأيه!.
6- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان مُسْتمعاً بالدرجة الأولى للأطفال والصغار, ولو كان كلامهم بالنسبة له لا يعني له شيئاً, فهاهي عائشةُ رضي الله عنها - وكانت حينها صغيرةً- تحكي إليه صلى الله عليه وسلم قصةَ أبي زرعٍ مع أمِّ زرعٍ, وهي حكايةٌ طويلةٌ, ومع ذلك جلس واسْتمع لها, بل وتفاعل معها بقوله: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ».[93]
وأما الكثير من الآباء والأمهات لا يستمعون إلى أبنائهم وإلى مواقفهم وقصصهم, بل يُسكتونهم, ويصفونَهُم بأنهم كثيرو الكلام!.
7- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم كان يُكافئ من يستحقّ المكافأة, ويعرض عليه نوع الْمُكافأة التي يرغبها, ويستشيره في اختيارها, يقول رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِىُّ :كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رواه مسلم[94]
وأما الكثير من الآباء والأمهات فيُكثرون من العقاب وينسون الثواب, وإنْ كافؤوا فبدون اسْتشارتهم في اختيار ما يُناسبهم ويرغبون به.
8- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يمسح على رؤوس الأطفال, يُشعرهم بحبِّه لهم, وبمودَّته تجاههم, فكان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم, ويمسح رؤوسهم.[95]
ومرَّ على جَعْفَرٍ رضي الله عنه وهو صِبِيٌّ يلْعَبُ، فمَسَحَ عَلَى رَأْسه ثَلاثًا. [96]
ومَسَحَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ رضي الله عنه وَدَعَا لَهُ, وذلك حينما ذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ وهُوَ صَغِيرٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.[97]
بهذه اللمسات والْمَسحات يُغرقهم بالحنان والمحبة والرحمة, فيجذب بها قلوبهم, ويُحبّبهم إليه
والكثير من الآباء والأمهات يستبدلون هذه اللمسات بلكماتٍ وضرباتٍ على الرأس, فينشأ الطفل عنيداً قاسياً, منزوع الرحمة والعاطفة إلا ما شاء الله.
9- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يُداعب الأطفال ويُمازحهم, ويُسلِّم عليهم, ويُشْبِعُ رغبتَهم في اللعب والمرح, حتى وهو في أهمِّ مُهِمَّاته, خَرَجَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرةً إلى صَلَاة الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ - أَوِ الْحُسَيْنَ - فَتَقَدَّمَ إلى الصَّلاةِ فَوَضَعَهُ بِجانبِه، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَلمَّا سَجَدَ أَطَالَ السجود, فَلَمَّا انْتهت الصَّلَاةُ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ سَجَدْتَ سَجْدَةً قَدْ أَطَلْتَهَا، فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ، قَالَ: «فَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ, وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ».[98]
أي: حتى يشبع من اللعب فوق ظهري, وينزل منه باخْتياره ورغبته!!.
وتقول أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ رضي الله عنها: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، قَالَ: «مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الخَمِيصَةَ» فَأُسْكِتَ القَوْمُ، قَالَ: «ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ» فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وفي رواية: فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَل, قال الحافظ رحمه الله: وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى صِغَر سِنّهَا إِذْ ذَاكَ.
قالت: فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي» مَرَّتَيْنِ، وَالْعَرَب تُطْلِق ذَلِكَ وَتُرِيد الدُّعَاء بِطُولِ الْبَقَاء لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ ، أَيْ أَنَّهَا تَطُول حَيَاتهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْب وَيَخْلَق.
قالت: فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: «يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا وَيَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا» وَالسَّنَا بِلِسَانِ الحَبَشِيَّةِ الحَسَنُ. رواه البخاري[99]
وخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى طَعَامٍ دُعي لَهُ, فرأى حُسَيْنَ بن عليٍّ رضي الله عنهما يَلْعَبُ مَعَ الْصِّبيان، فَأَرَادَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَجعل الصَّبِيُّ يَفِرُّ هَا هُنَا مَرَّةً، وَهَا هُنَا مَرَّةً، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَاحِكُهُ ويُلاحقُه حَتَّى أَخَذَهُ، فَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ تَحْتَ ظهره، وَالْأُخْرَى تَحْتَ ذَقَنِهِ فَوَضَعَ فَمه عَلَى فمه يُقَبِّلُهُ.[100]
هكذا يُداعب الصغار ويُمازحهم, ويتحبَّب إليهم, وكان إذا رأى الصغار سلَّم عليهم وحيَّاهم, كان أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ, وَقَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ». رواه البخاري[101]
وأما الكثير من الآباء والأمهات فلا يُبالون بذلك أبداً, ويندر منهم المزاح الجميل لأبنائهم, ومُداعبتهم والضحك معهم بمرحٍ وفرح, بل ويعتقد بعضهم بأنَّ ذلك مضيعةٌ لأوقاتهم, وهدرٌ لأشغالهم, ولم يعلموا أنَّ اللعب معهم يُكسبهم نُضجاً ووعياً, ويزرع فيهم المحبة والانتماء لهم.
وأما السلام عليهم وتحيَّتهم ومُصافحتهم فلا يكاد يعرفه بعضهم.
10- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يُشجع الأطفال الماهرين, ويُقدِّمُهُم على من هو أكبر منهم إذا تميزوا عن غيرهم, فهذا عَمْرُوُ بْنُ سَلِمَةَ رضي الله عنه يقول: كُنَّا عَلَى حَاضِرٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَمُرُّونَ بِنَا رَاجِعِينَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَدْنُو مِنْهُمْ فَأَسْمَعُ، حَتَّى حَفِظْتُ قُرْآنًا، فَانْطَلَقَ أَبِي بِإِسْلَامِ قَوْمِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \" إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا\" فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي, لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ, فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ, وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رواه البخاري[102]
ويُؤمِّر أسامةَ بنَ زيدٍ جيشاً فيهم عمرُ بنُ الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنهم, وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.
وأما الكثير من الآباء والأمهات فيُحْجمون عن تولية أبنائهم أموراً ومهامًّا بحجة صغر سنِّهم, فيتربى ضعيف الهمَّة, قليل الخبرة.
بل بعض الآباء لا يعتمد على ابنه في اختيار أموره الخاصة به, فهو الذي يختار له ما يلبسه ويأكله!\
11- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان إذا منع الطفل من شيءٍ ذكر له سبب ذلك.
أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنه تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِيْ فمه فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «كِخْ كِخْ, ارْمِ بِهَا, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟». متفق عليه[103]
وأما الكثير من الآباء والأمهات فيُصدرون الأوامر والنواهي دون أنْ يُكلفوا نفسهم عناء ذكر سبب ذلك, لكي يفعل الطفل ذلك بقناعةٍ تامةٍ.
12- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان لا يبالي بكلام الناس في تعامله وتربيته لأبنائه وأحفاده, فهو يفعل معهم ما هو أصلح لهم, وأحسن في كسب عواطفهم, فهاهو صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على المنبر، فيُقبل الحسن والحسين وعليهما ثوبان جديدان يعثران بهما، فينزل ويحملهما بين يديه, وهو واقفٌ أَمَامَ الجموع الغفيرة من الناس, وفي عبادةٍ وطاعةٍ.
ويصلي حاملاً بنت بنته أمامة, ويطيل السجود ليشبع أحد أبنائه من ركوب ظهره, وهذه الأفعال التي يقوم بها تجاههم وهو في أجلّ عمل, وأعظم عبادة: هي من الأمور التي يراها الناس تافهةً, ولكنه صلى الله عليه وسلم يراها حقًّا من حقوقهم, فيعطيها لهم ولو كان بين يدي ربه, أو قائماً يدعو إلى عبادة وطاعة ربه, فكيف في سائر أموره وحالاته؟.
وأما بعض الآباء والأمهات, فإنّ أكبر همّه ما يقول الناس, ولو على حساب مشاعر الطفل ورغباته, فيمنعُ الطفل من اللعب والجلوس عند باب المنزل خوفاً من كلام الناس, وإذا أراد الطفل الحديث مع الوالدين أو غيرهم في المجلس لا يُلتفت له, بل ويُطلَب منه السكوت خوفاً من الناس, وأنه يُخالف الآداب والعادات!, يريد الطفل أن يلبس لباساً يُعجبه, فتجيبه الأم: ماذا يقول الناس!.
فيتربى الابن على الخوف من الناس, ومن نقدهم وكلامهم, وتصبح شخصيته وثقته بنفسه ضعيفةً مهزوزة.
13- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يُقبلهم ويشمُّهم ويضمُّهم, فهاهو صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ ابنه إِبْرَاهِيم فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ. رواه البخاري[104]
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ: \"هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا\".
وتأملْ كيف شبَّههما صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرَّيْحانة, والريحانةُ: كلُّ نبتةٍ طيبَةِ الرّائحة.
قال العلماء: وَجه التَّشْبِيه: أَنَّ الْوَلَدَ يُشَمُّ وَيُقَبَّلُ, فكأنَّهم مِنْ جُملَةِ الرَّياحين, لما يجده من الراحة النفسيَّة في تقبيلهم وضمِّهم إلى صدره، وشَمِّهِم كما يجد الإِنسانُ راحته عند شمِّ الزهور والرياحين.[105]
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ[106] مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ.
واشْتاق مرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حفيده الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما, فَذهب إلى بيت ابنته فَاطِمَةَ رضي الله عنها, فجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِها، فَجعل يصرخ ويُنادي: «أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ»- واللُّكَعُ هو الصَّغِيرُ- فَحَبَسَتْهُ فاطمةُ لِتهيِّئه وتُلْبِسَهُ وتُنظفه, فأقبل الحسن يَمْشِي ويَشْتَدُّ فَالْتَزَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ.[107]
هكذا علاقته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصغار والأطفال.
بل إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يفعل ذلك مع الأطفال الصغار فحسب, بل ربما ضمّ واحتضن المراهق أيضاً, يقول أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّنا، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا». رواه البخاري[108]
ومن المعلوم أن أُسَامَة كَانَ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا كبيراً، بل أَمَّرَهُ عَلَى الْجَيْش الَّذِي يحتوي عَلَى عَدَد كَثِير مِنْ كِبَار الْمُسْلِمِينَ كَعُمَر، وكَانَ عمره عِنْدَ مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يُقارب العِشْرِينَ سَنَة, وأما الحسن فكان عمره حينها ثماني سنين, أي أنه يكبره باثني عشر عاماً.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُسَامَة مُرَاهِق وَالْحَسَن اِبْن سَنَتَيْنِ مَثَلًا وَيَكُون إِقْعَاده أُسَامَة فِي حِجْره لِسَبَبٍ اِقْتَضَى ذَلِكَ كَمَرَضٍ مَثَلًا أَصَابَ أُسَامَة ، فَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَحَبَّتِهِ فِيهِ وَمَعَزَّته عِنْدَه يُمَرِّضهُ بِنَفْسِهِ ، فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَقْعَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة ، وَجَاءَ الْحَسَن اِبْن اِبْنَته فَأَقْعَدَهُ عَلَى الْفَخِذ الْأُخْرَى وَقَالَ مُعْتَذِرًا عَنْ ذَلِكَ: \" إِنِّي أُحِبّهُمَا \". ا.هـ[109]
فهكذا كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشبع الأطفال والمراهقين بحنانه وضمِّه لهم, واحتضانه وإخباره بحبه لهم, فنشأ جيلٌ سويٌّ أخذ حقه من العطف والحب والرحمة, مع ما أخذه أيضاً من الدين والمعرفة والإيمان, ففتح الله بهم القلوب والديار, ونشر الله بهم الدين والأمن في سائر الأقطار.
وأما بعض الآباء والأمهات فقُبْلته لأولاد تكون باردةً أو مُجاملة, دون شمٍّ وضمٍّ ورحمة, هذا إنْ قبَّله وشمَّه.
وبعضهم يظن أنَّ القبلةَ خاصةٌ بالصغير, أما إذا كبر قليلاً فيحرمه منها.
14- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان إذا نهى عن شيءٍ ولم يَجِدِ اسْتجابةً, وطُلب منه أنْ يتركهم يفعلون ما يرونه ويهوونه: يُرخي لهم الزمام, ويفتح لهم المجال, مع اعتقاده بصوابه وخطئهم, لكنَّها التربيةُ النبوية القائمةُ على الإقناع وإتاحة الفرصة للتجربة.
هذا, وقد زكاه ربُّه في عقله فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾النجم:2.
وزكاه في بصره فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾النجم:17.
وزكاه في لسانه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾النجم:3.
وزكاه في فؤاده فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾النجم:11.
وزكاه في صدره فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾الشرح:1.
وزكاه في معلمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾النجم:5.
وزكاه كله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾القلم:4.
ومع كلِّ هذا: هل كان يُلزم أتباعه وأصحابه برأيه دائماً وفي كلِّ شيء؟ وهو رسولٌ مُوحى إليه من الله تعالى, يأتيه الوحي صباح مساء؟ لا.
فهاهو صلى الله عليه وسلم حينما حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يتمكن من هزيمتهم وإخضاعهم, حيث كانوا متحصنين في مكانٍ مُرتفعٍ, وكانوا يرمون بالسهام على الصحابة إذا اقتربوا من الحصن, فرأى صلى الله عليه وسلم المصلحة له ولأصحابه أنْ يرجعوا ويتركوهم, رحمةً ورفقاً بأصحابه, فَقَالَ لهم بكلِّ وضوح: « إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ». فقَالَ أَصْحَابُهُ من الشباب والْمتحمسين: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ». فلم يُلزمهم برأيه مع أنه هو الصواب بلا ريب, فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحٌ شديدة, فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مرةً ثانية: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا». قَالَ الراوي: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ, فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. متفق عليه[110]
وهاهو صلى الله عليه وسلم حينما نهاهم عن الوصال, فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. متفق عليه[111]
وهاهو صلى الله عليه وسلم, يُشير على أصحابه يوم أحدٍ بأنْ يمكثوا في المدينة, وإذا جاء الكفار قاتلوهم وهم داخل المدينة, بل أمرهم بكلِّ وضوحٍ فقال: \"امْكُثُوا، فَإِنْ دَخَلَ الْقَوْم الْأَزِقَّةَ قَاتَلْنَاهُمْ وَرُمُوا مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ\"[112]، وهذا هو الرأي السديد, والقول الرشيد, ومع ذلك قَالَ بعضُ الشباب والرجال المتحمسين للقتال: يَا نَبِيَّ اللَّه كُنَّا نَتَمَنَّى هَذَا الْيَوْمَ، وَأَبَى كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إِلَّا الْخُرُوجَ, فَلَمَّا صَلَّى الْجُمُعَةَ وَانْصَرَفَ دَعَا بِاللَّأْمَةِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ.
وافقهم وانقاد لرغبتهم, مع علمه الأكيد, ويقينه الشديد بسداد رأيه, وخطأ رأيهم.[113]
ففي هذه الآثار النبوية الصحيحة: أعظم درسٍ للقادة والمربين والآباء أنهم إذا أَمَروا بأمرٍ فيه مصلحةٌ لمن تحتهم ثم طلبوا أنْ يعملوا بخلافه لرغبةٍ في نفوسهم وأصروا على ذلك أنْ يدعوهم وما أرادوا- ما لم يكن إثماً-, ليفسحوا المجال لهم بتجربةٍ يعرفون في نهايتها خطأ ما فعلوه, فيرسخ في أذهانهم حرص الأب والمربي عليهم, وأنه لا يأمرهم أو ينهاهم إلا بما فيه مصلحةٌ راجحةٌ لهم.
وكثير من الآباء والأمهات يُلزمون أولادهم بما يُقرِّرونه ويرونه, مع احتمال خطئهم, وصواب رأي أولادهم.
وخذ أمثلةً على ذلك: المنع بحزمٍ ودائماً من شرب المشروبات الغازية, أو الأكل من المطاعم, أو الذهاب مع الأصدقاء في رحلةٍ أو نزهة, أو إتاحة المجال لهم في اختيار نوع الملابس والهاتف وغير ذلك, أو الغياب من المدرسة لعدم رغبته في أحد الأيام, فالمنع المطلق من ذلك وعدم السماح له بأن يتخذ القرار الذي يراه - مع اعتقاد الأب أو الأم أنه خطأ- : سَيُولِّد فيه احتقاناً ضد والديه, واعتقاداً جازماً أنهم حجر عثرةٍ أمام طموحاته ورغباته وحرِّيَّته.
فعندما يكبر: سيجد نفسه على أتمِّ الاستعداد في أنْ يُواجه أبويه بشراسةٍ إذا واجهوه بما كانوا يُواجهونه سابقاً من المنع والرفض, وسيفعل ما يحلو له في جوٍّ خالٍ من الرقيب والناصح والموجه.
ولو سمحوا له سابقاً بذلك, وفعل ما يُريدُه, وهو بين أيديهم, ويُسمعونه التوجيهات والنصائح, ويُخبرونه بمحبتهم له, وأنهم لا يقفون أمامه أبداً: لما حصل ما حصل.
15- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يُخبرهم ويُصرِّح لهم بأنه يُحبهم, بل ويُبالغ في إظهار ذلك, ويُظهر لهم الفرح والسرور عند رؤيتهم, ويقوم إليهم أحياناً إذا رآهم.
ففي الصحيحين[114] أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ إليهم مُمْتَنًّا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ».
قال الحافظ ابن حجر: قَوْلُهُ: \"فَقَامَ مُمْتَنًّا\" أَيْ قَامَ إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا مُشْتَدًّا فِي ذَلِكَ فَرِحًا بِهِمْ. ا.ه[115]
ما شعور هؤلاء الصبيان والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوم إليهم ويستقبلهم بفرحٍ وابتهاج, ثم يقول لهم بكلِّ صراحة: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ»؟.
وأما الكثير من الآباء والأمهات, فأصعب شيءٍ عندهم أنْ يقولوا لأبنائهم: نحن نحبكم, ويجدون غضاضةً في قولها, وتردُّداً في نطقها.
وتجد اسْتقبالهم وحفاوتهم لأبنائهم مُنعدمةً أو باردة.
16- الْمُربي الأول صلى الله عليه وسلم, كان يُعاملهم بمُنتهى الرقة, وغاية الرحمة, ولْنستمع إلى ما باح به مجموعةٌ من شباب الصحابة رضي الله عنهم عن حبيبهم ومُربيهم صلى الله عليه وسلم, يقول مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه: أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَقيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاري[116]
تأملوا هذه العبارة: رَقيقًا رَحِيمًا, ولو استخدم بعضنا هذه العبارة أو اتصف بها لانْتابنا شعورٌ بأنه يفتقد إلى الحزم والشخصية القوية, وكأن الرقة واللين والعطف تُضاد الحزم والشخصية القوية والتربية الجادة!.
ومن أمثلة رقَّته العجيبة, ومراعاته لمشاعر الآخرين الغريبة أَنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أُتِي بِصبيٍّ رضيع، فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ كعادته ويُداعبه, وَقد أجلسه فِي حِجْرِهِ وحضنه فَبَالَ الصبي عليه، فَبادر أهلُه ليأخذوه لئلا يتلوث ببوله, فنهاهم عن ذلك وقَالَ: «لَا تَقْطَعُوا دَرَّهُ», فَتَرَكَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ.[117]
يتركه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يبول عليه؛ لئلا يُهيِّجه ويُوحشه, ولئلا يُكدِّر خاطره إذا انقطع عن إكمال قضاء حاجته.
فإذا كان يُراعي مشاعر طفلٍ رضيع, فلا تسل عن مُراعاته لمشاعر الشباب والكبار, ومُراعاته لمشاعر زوجاته وأصحابه.
نسأل الله تعالى أن يُصلح أبناءنا, وأن يُعيننا على القيام بحقهم, إنه سميعٌ قريبٌ مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على رسوله وآله وصحبه أجمعين.
[86] رواه أبو داود (3600), وصححه الألباني.
[87] البخاري (516), ومسلم (41).
[88] (5236).
[89] (6155).
[90] المفهم 8/ 215
[91] رواه الإمام أحمد (13034), وأصله في الصحيحين.
[92] البخاري (2366), ومسلم (5412).
[93] متفق عليه, البخاري (5189), ومسلم (6458).
[94] (1122).
[95] رواه ابن حبان (459), وصححه محققه شعيب الأرنؤوط, وحسنه الألباني في التعليقات على صحيح ابن حبان (460).
[96] رواه الإمام أحمد (1760).
[97] رواه البخاري (2502).
[98] رواه الإمام أحمد (16033), وصححه محققه شعيب الأرنؤوط.
[99] (5845).
[100] رواه الإمام أحمد (17561), والترمذي (3775 ) وحسَّنه, والحاكم (4820 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ, وصححه الذهبي والألباني كما في السلسلة الصحيحة المختصرة (1227).
[101] (6247).
[102] (4302).
[103] البخاري (3072), ومسلم (1069).
[104] (1303).
[105] عمدة القاري 16/ 243 , فتح الباري 7/110, منار القاري 4/ 269
[106] (3772).
[107] رواه البخاري (5884), (2122).
[108] (6003).
[109] الفتح 10/534
[110] البخاري (4325), ومسلم (4720).
[111] البخاري (7299), ومسلم (2621).
[112] فتح الباري 11/ 372, وأصله في البخاري معلقاً, صحيح البخاري: بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.
[113] يُنظَر: البداية والنهاية 5/ 344
[114] البخاري (5180), ومسلم (2508).
[115] فتح الباري 9/308
[116] (6008).
[117] رواه الطبراني في المعجم الكبير (7699), وحسنه الحافظ في الفتح 1/350