وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو مخاطبة العوام والتجار، أو في مخاطبة أهله وعبده، أو في حديثه إذا تحدث، أو خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال، ولكل صناعة شكل [2] .
وعلى هذا فالبيان عند الجاحظ هو: الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، وهو اسم جامع لكل شيء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير؛ حتى يفضى السامع إلى حقيقته، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع؛ إنما هو: الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
ثم إن أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء:
(1) اللفظ، (2) الإشارة، (3) العقد، (4) الخط، (5) الحال الدالة التي تسمى: نصبة (بكسر النون) .
وهكذا ترى أن المعنى اللغوي للبيان هو الذي سيطر على فكر الجاحظ، واستبد بخياله، وينتهي القرن الثالث الهجري الذي برز فيه الجاحظ، ويأتي القرن الرابع ليخرج أبو الحسين إسحاق بن وهب الكاتب كتابه: (البرهان في وجوه البيان) مقتفيا طريق الجاحظ في البيان والتبيين ناقدا إياه، من حيث إنه وجد فيه أخبارا منتخلة، ولم يأت فيه بوصف البيان، ولا أتى على أقسامه في هذا اللسان، حتى بات هذا الكتاب غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب إليه [3] والبيان عنده على أربعة أوجه:
(1) فمنه بيان الأشياء بذواتها، وإن لم تبين بلغاتها، وهو بيان الاعتبار.
(2) ومنه البيان الذي يحصل في القلب عند إهمال الفكرة واللب، وهو بيان الاعتقاد.
(3) ومنه البيان: الذي هو نطق باللسان وهو: بيان العبارة.
(4) ومنه البيان بالكتاب: الذي يبلغ من بعد، أو غاب [4] .