تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقلت له: إنا قد تركنا الآباء والأمهات والأهلين والأوطان ولبنين والبنات بالراحلة إليك، فلو تفرغت ساعة تحدثنا بما آتاك الله من العلم.

فقال: أدركني دعاء الشيخ الصالح سري السقطي رضي الله عنه، جئت إليه وقرعت عليه الباب، فسمعته يقول قبل أن يخرج إلي مناجيا: اللهم من جاءني يشغلني عن مناجاتك، فأشغله بك عني، فما رجعت من عنده، حتى حببت إلي الصلاة والشغل بذكر الله تعالى، فلا أتفرغ إلى شيء سواه، ببركة ذلك الشيخ.

قال أبو اسحاق: فرأيت كلامه يخرج من قلب حزين، وهم كمين، والدمع يسابقه رضي الله عنه.

سبحان من ألف بحكمته بين لطائف الأرواح، وكثائف الأشباح، جعل الليل والنهار جناحي الأعمال، يطيران للفناء بلا ريش ولا جناح، سقى أرواح المحبين شراب المحبة، فلله ما أحلاه من راح، غني لهم في مجلس أنسهم معبد الوجد، فشربوا بالدنان، لا بالأقداح، زينوا روضة الدجى بأزهار التهجد، واصطبحوا على الأذكار أي اصطباح، فهم بين صبوح وغبوق (1) وبين ريحان وراح، قلوبهم في قالب الابتلاء، تنادي بلسان تصبرهم: لا براح. خلع عليهم خلعة الرضا، وأجلسهم بين أفراح من الشوق وافتراح. انظروا إلى الكون، فما رأوا سواه، فليس عليهم في هيمانهم جناح. غشي بصائرهم نور معرفته، فترنم عارفهم بألسنة من التوحيد، فصاح.

وأنشدوا:

يا أعز الناس عندي ... كيف حتى خنت عهدي

سوف أشكو لك حالي ... فعسى شكواي تجدي

أنت مولاي تراني ... ودموعي فوق خدي

أقطع الليل أقاسي ... ما أقاسي فيه وحدي

بحر الدموع · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر الدموعص ٩٤