تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المشكلة عند الطالبتينِ السائلتين هنا، ليست مشكلة الرأي في الفقه الإسلامي، فالفقه صريح في أن البكر لا يُعقد عليها إلا إذا أُخِذ إذْنها وأَذِنتْ، ويكفى في إذْنها: أن تَسكت عندما تُسأل. وبعض الفقهاء يُوجِب على وَلِيِّها في العقد: أن يُنبِّهَها ثلاث مرات بقوله: إنْ رضيتي فاسكُتي، وإنْ كرهتي فانْطقي. وعندئذ إذا استُؤذِنَتْ وسكتتْ يتأكَّد أن سُكوتها مُوافقةٌ منها على العقد. ويُروَى عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: "أن جاريةً بكْرًا أتتْ رسول الله فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويكاد يكون الاتفاق على: ...

(1) أن الثيِّب لا بد أن تُصَرِّح برضاها عند عقد الزواج. ...

(2) وأن البكْر لو زُوِّجَت بغير إذْنها لا يَصحُّ عقد زواجها. ...

وما يقوله الفقه الإسلامي هنا يُمثل منطق الطبيعة الإنسانية. ومنطق هذه الطبيعة يُؤْثر: أن يكون الإنسان مُلتزمًا، وليس مُلزَمًا، أن يكون مختارًا، وليس مُكرهًا، فالإيمان لا يُكرَه الإنسان عليه، والعقد في المُعاملات، وفي الزواج كذلك: لا يكره عليه أيٌّ مِن الطرفين؛ لأن الإكراه يكون عقبةً في التنفيذ في أُولَى مَراحله، وهي عقبة نفسية تَسْتَتْبِع بعدها عقباتٍ أخرى ماديةً. إن الإسلام يُقدر المشيئة في الإنسان: يُقدرها في قيمة ما يقوم عليها، ويقدرها في إنجاز ما ترتبط به. فالمرأة إذا أبدتْ رأيها فيمَن سيكون زوجًا لها: تدخل الحياة الزوجية معه وهي مُقبلة عليه، وعلى استعداد نفسي لأن تُزيل جميع الحواجز من طريقه وتُهيئ الأسباب لنجاحه، أمَّا إذا أُكرهت على زوج معين فقد تُحاول أن تصطنع من العقبات ما يجعله مجالاً للخصومة، والكراهية، والنُّفْرة. وبدلاً مِن أن يكون سبيلاً للسُّكْنَى والمودَّة والرحمة: يُصبح طريقًا إلى العداء. وبذلك يُشكِّل مصدرًا للهموم والأحزان، بالإضافة إلى ما تدفع به الحياة ذاتها بسبب الأثَرة والأنانية: مِن قلَقٍ

فتاوى رأي الدين · الصفحة ٤٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوى رأي الدينص ٤٤٧