وفصَّل تلك الشروط ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"(25) تحت عنوان: "باب رتب الطلب والنصيحة في المذهب".
وذكر نحو هذه الشروط الإمام الغزالي رحمه الله، وعبَّر عن قول الشافعي المذكور هنا: "وتكون له قريحة " بعبارة أخرى يستعملها الأصوليون كثيرًا، فقال: "وفِقه النفس لابدَّ منه، وهو غَريزة لا تتعلَّق بالاكتساب" (26).
وذكر ابن القيِّم رحمه الله في "إعلام الموقِّعين" (27)، وعليه ما تقدّم، وزاد عليه.
وفي "المسوَّدة"(28) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الحفيد ـ رحمه الله ـ، فصل طويل عنوانه: "فصل في صفة من يجوز له الفتوى أو القضاء" فيه فوائد الفوائد.
ومن صفة المُفتي أيضًا: كثرة صوابه، ومن صفتِه بعد ذلك: اشتهاره بين معاصريه بالعلم وشهادتهم له بذلك.
قال الإمام شمس الدين السروجي ( ت710): "لا يَصير الرَّجُل أهلًا للفتوى ما لم يَصِرْ صوابُه أكثرَ من خطئِه؛ وذلك لأن صوابَه متى كثُر غَلَبَ، والمغلوب في مقابلة الغالب ساقِط "(29).
وأما شهادة شيوخه والمعاصرين له المتأهِّلين للشهادة، فقد قال الإمام مالك: "ما أفتيتُ حتّى شَهِد لي سبعون أنِّي أهلٌ لذلك" (30).
وقال أيضًا: "ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ مَن هو أعلم مني: هل تراني مَوضعًا لذلك؟ سألت ربيعةَ، وسألت يحيى بن سعيد ـ الأنصاري ـ فأمَراني بذلك. فقيل له: يا أبا عبد الله لو نَهَوْك؟ قال: كنتُ أنتهي،لا ينبغِي لرجل أن يَرى نفسَه أهلاً لشيء حتى يسألَ مَنْ هو أعلم منه"(31).
وأما التأهُّل ديانةً وصلاحًا: وذلك بالتحلِّي بالعمل الصالح والتقوى والورع، ليكون جديرًا بهذا المنصِب العلمي الرفيع، وليُعْتَبر قوله، ويُسْمَع لفتواه، فلِما رُوِيَ عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ولا نهي فما تأمرنا؟ فقال ـ صلى الله عليه وسلم: "شاوروا فيه الفقهاء والعابدين" (32).