تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-[المعنى العام]-

مر رجل من سادات قريش على رسول الله ﷺ وحوله أصحابه وفيهم سعد بن أبي وقاص، فقال لهم ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: عظيم، حري إن شفع أن يشفع، وإن خطب أن ينكح، وإن تكلم أن يسمع. فسكت ﷺ حتى مر جعيل بن سراقة - وهو من فقراء المهاجرين - فقال لهم: "ما تقولون في هذا الرجل؟ " قالوا: حري إن شفع ألا يشفع، وإن خطب بنت أحدنا ألا ينكح، وإن تكلم ألا يستمع. قال ﷺ: "هذا الفقير خير من ملء الأرض مثل هذا الغني".

فلما كان مجلس آخر بعد زمن، وجلس سعد بن أبي وقاص في مجلس الرسول ﷺ جاء جماعة من فقراء المهاجرين، وفيهم جعيل بن سراقة، يتعرضون لعطاء الرسول ﷺ فأعطاهم رسول الله ولم يعط جعيلا، فعظم الأمر في نفس سعد، كيف لا يعطي جعيلا وهو عند سعد أحبهم إليه منذ سمع من الرسول ﷺ عنه ما سمع؟ قام سعد، وأسر في أذن الرسول ﷺ: يا رسول الله، قلت في جعيل كذا وكذا، وأنت تصنع به الآن ما تصنع؟ أعط جعيلا كما أعطيت زملاءه، فوالله إني لأراه مؤمنا، فأراد ﷺ أن يرشد سعدا إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، وإلى أنه ينبغي أن تكون التزكية بالإسلام لا بالإيمان، فقال له: أو مسلما. فسكت سعد قليلا، ولم يعط الرسول ﷺ جعيلا، فلم يستطع الاستمرار على السكوت فقال مرة ثانية: يا رسول الله أعط جعيلا، فوالله إني لأراه مؤمنا، قال ﷺ: "أو مسلما". فسكت قليلا، ولم يعد رسول الله ﷺ جعيلا، ثم لم يستطع الصبر، فقال: يا رسول الله، أعط جعيلا، فوالله إني لأراه مؤمنا، قال رسول الله ﷺ: "أو مسلما" ثم قال: أقتالا ومدافعة يا سعد، إن الإعطاء ليس علامة الرضى والمحبة، وإن هؤلاء ضعاف الإيمان، فأنا أتألفهم، أما جعيل فهو قوي الإيمان، فأنا أتركه لإيمانه وأعطي من أخشى عليه الكفر، أحميه بالمال من الوقوع في نار جهنم، وإني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه.

فرضي سعد، وآمن بحكمة الرسول ﷺ ورضي جعيل بالحرمان رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.

-[المباحث العربية]-

(عن عامر بن سعد عن أبيه) سعد بن أبي وقاص -كما هو مصرح به في الرواية الثانية- أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم بعد أبي بكر، وله في الإسلام فضل كبير، ومات بالعقيق سنة خمس وخمسين، وعاش نحوا من ثمانين سنة.

(قسم رسول الله ﷺ قسما) "قسما" مفعول به، أي قسم مالا مقسوما وكان ما أفاء الله على رسوله خمس خمس الغنيمة يحبسه رسول الله ﷺ فينفق منه على أهله، وفي السلاح، وعدة الحروب، وما فضل يقسمه في فقراء المهاجرين، ولعل القسم في الحديث من هذا الأخير.

فتح المنعم شرح صحيح مسلم · الجزء ١ · الصفحة ٤٧٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتح المنعم شرح صحيح مسلمج ١ · ص ٤٧٥