صديقه، فلمته على إفتائه، وسألته عن صورة الإستفتاء، فقال: أنهوا أنه عدوه، وأنه قتله بغير أعذار، وهو حاضر في البلد إلى غير ذلك من الإحلال بشرائط الحكم، فقلت: هم أنهوا ذلك، وأنتم تعلمون حقيقة الحال، وعلى تقدير التسليم لهم في دعواهم، وثبوت زندقة المقتول، ماذا يلزمه؟ بل نفرض أنه غير قاض، وقتل زنديقا فهل يقتل به؟ فلم يجر جوابا، على أن الوجود ما كان مفتقرا إلى فقد سالم، فإنه كان جاهلا جريئا مصرا على الكبائر، وكان سنه مقاربا للخمسين وكذا الشريف فيما يقال عفى الله عنهما.
وفي مستهل شعبان سنة ثمان وخمسين هذه، طلع القضاة، لتهنئة السلطان بالشهر، والحنفي والشافعي راكبان، ثم وقفت بغلتاهما لانتظارهما عند باب الدهيشة على ما تقدم لهما من العادة، الحنفي من أيام الظاهر لشيخوخته وضعفه عن المشي، والشافعي لما ادعى من الدوخة في هذا العام فخرج الأمر بأن تنزل البغلتان إلى حيث يقف الناس بدوابهم على باب القلعة (لا جزى الله واسطة السوء في ذلك خيرا).
وفي أوائل هذا الشهر اشتد سعي أعداء ابن الشحنة في أذاه، فأغروا مداينيه بشكواه إلى السلطان واحدا بعد واحد، وكان منهم ابن الرسام الذي كان ناظر جيش حلب، فرده السلطان ردا قبيحا، فرأوا أن ذلك غير مفيد، فقرروا في ذهن السلطان أنه يدور على الأكابر، ويسعى في وظائف المباشرين وأن عين نظر الجيش، وقال: إنه أشرف على ولايتها، وأن ذلك يوهن كلمة ناظر الخاص، وأنه لا يستقر حال الناس إلا إن أخرج من القاهرة، فالصواب أن يولي ما كان معه من الوظائف في حلب، ويخلع عليه بها، ويسافر، فطلبه السلطان وفتح معه الباب بأرباب الدين، فقال: ليس يخفى عن أحد أن ما ركبني من الدين ما اشتريت به