الحريق غالبا كان يقع في بيوت الجند؛ فنادى السلطان للغرباء بالسفر، ثم ادعوا أنهم أمسكوا شخصا من المحرقين فإذا هو مصري، وهو ممن لا يتهم، وشبهتهم في اتهامه، أنهم وجدوا معه زنادا وكبريتا، والذي يغلب على الظن أن فاعل ذلك الأجناد البطالة العبيد والغلمان المفسدون المنسوبون إلى الزعارة واللصوصية؛ لتمكنهم من النهب عند الحريق بعلة الإطفاء والله تعالى المسؤول في السلامة منهم.
وفي أواخر شعبان تحدث ناس بوجدان من يمشي بالليل متنكرا في مواضع لا يمشي في مثلها على تلك الحالة إلا مفسد، وكان الحريق مستمرا لا تخلو عنه جمعة من الجمع، وكان لا يقع إلا ليلا، فنادى السلطان في أواخر الشهر، أن لا يخرج بعد العشاء أحد، لا عبد ولا حر ولا مأمور، وصار الحريق بعد ذلك يقع ليلا ونهارا حتى وقع في يوم واحد الحريق في نحو عشرة مواضع، وصح الخبر أنه كان يقع حجر أو طوبة ونحو ذلك في بعض الأماكن كسطح ونحوه ملفوف عليه خروق داخلها كبريت ونفط وفتائل بها زيت ونحو ذلك، وفي ذلك نار، فقل موضع تقل فيه إلا أحرقته ولما حذرهم الناس اشتد احتراسهم منهم، فقل تمكنهم من النهب، وتمكن النار من الإحراق، فقل أن احترق بيت كله.
موت الشيخ يحيى العجيسي:
وفي ضحى يوم الأحد سابع عشري شعبان هذا، مات الشيخ يحيى بن عبد الرحمن العجيسي المغربي المالكي عن بضع وثمانين سنة، وأخر إلى ضحى الغد فصلى عليه قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني في باب النصر، وحضر جنازته بقية القضاة، وجمع جم، وكان إماما في النحو، وشرح ألفية ابن مالك في أربع مجلدات نخل فيها جميع شروحها، غير أنه كان ترفا، لم يكن ينتفع به في تدريس ولا نوع أخذ عنه، وكان سيئ الأخلاق، محبا في تبكيت الناس ومواجهتهم بالأذى من غير جرم، كثير الحفظ للعورات، غير متحاش من ذكرها، جريء اليد على البطش في من يخالفه كائنا من كان، وكان ينتمي إلى بعض الأكابر فيحمونه في مثل تلك الوقائع، وكان ذا حظ في ذلك، وخلف ولدا من زنجية أسود يسمى بدر الدين محمد، فأخذ وظائفه إلا تدريس الفقه بالشيخوخية فأخذه قاضي المالكية الحسام بن حريز.