فعزل الشافعي أكثر نوابه، وأما الحنفي فتصلب، وقال: لا أعزل من نوابي أحدا، فلما طلع القضاة يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر لتهنئة السلطان بالشهر، عاتبهم في أخذهم من بيوت حكام السياسة، فبادر الشافعي إلى إنكار ذلك، وسأل الدويدار الكبير، هل أخذ من عندك غريما قط؟ فقال: أكثر من ثلاثين مرة، فنقلهم كاتب السر المحب بن الشحنة إلى كلام آخر، شغلهم به عن الخوض في هذه القضية، وانفصل المجلس على ذلك.
وفي أوائل هذا الشهر، أطلق أزبك صهر الظاهر جقمق من الصبيبة، وأمر به إلى القدس.
عقد المجلس لابن السائح:
ولما كان يوم الأربعاء، رابع الشهر عقد مجلس في الصالحية بالقضاة الأربعة، لابن السائح بدر الدين حسن؛ بسبب حكمه الماضي في أيتام أهل الذمة، فأجمع الأربعة على أن هذا الحكم غير صحيح، ولا جائز، واعتذر الشافعي له، بأن مراده عدم التعرض لهم بما يؤذيهم، وعلى هذا يكون صحيحا، وأن الموقعين كتبوا عنه ما لم يرده، وأيد ذلك بأنه لا يظن بمسلم أن يقصد ظاهر قول الموثقين أنه حكم باستمرارهم على دين آبائهم، اليهودية والنصرانية، وشنع عليهم جماعة من أتباع الحنفي من أهل القدس، بأن العادة جرت، بأن يحكم القضاة بإسلام الكفار، وهذا حكم بكفر المسلمين، فصاح عليه العوام، وأرادوا رجمه، ثم عقد له مجلس بحضرة السلطان بكرة يوم الخميس من الشهر، فقيل فيه نحو من ذلك، وانفصل المجلس على عزله من النيابة في القدس، ونقض حكمه، وإرسال مرسوم إلى الحنبلي بالقدس، ليحكم بإسلام كل من حكم بكفره، وقال السلطان: انظروا شكله، هل يكون حكمه إلا مناسبا لشكله،