تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطريق على الحجاج، وأما ابن الخطيب وأخوه فردا إلى المقشرة، فانزعج لقضيته غالب الناس؛ لكونه على زي الفقهاء، ولم يحسن المشاعلي قطعه، فرقت له القلوب، ووقعوا فيمن سعى به، ودعوا عليهم، واستمر الناس أياما ليس لهم شغل إلا الحديث في أمره، والترقق له.

وكان هذا الرجل من أعاجيب الرجال؛ لم أر أثبت منه جنانا، ولا أقوى لسانا، وكان بدء أمره بدءا صالحا، فسبحان الهادي المضل، وذلك أن الظاهر جقمق كان في حدود سنة خمس وأربعين ولى شخصا يقال له محمد بن الدم الأسود، من دمشق ولاية ظلم ادعى له أنه يأتي له منها في كل سنة بعشرين ألف دينار، وهي أنه يستأجر الأوقاف والمستأجرات، ويعطي أربابها مستحقهم ويأتي من فائدتها بما ذكر، فعظمت مشقة ذلك على الأكابر؛ لكون غالب الأوقاف مستأجرة معهم، وبالأجر التافهة، وعلى الأصاغر؛ لاحتياطه على ما خفي من أوقافهم على الأكابر، ولم تنله أيديهم، وعولج السلطان في ذلك إلى أن آيس منه، وبقي الناس مدة متحيرين، وفعل ابن الأسود في البلاد الشامية من العظائم، ما روع الألباب، فقصد الشاميون إرسال شخص إلى السلطان على لسان الفقراء، وأهل الخير ينصحه في ذلك، ويبيع نفسه لله، فانتدب لذلك محمد بن الخطيب هذا، وجاء بجبة صوف إلى أنصاف ساقيه، وعمامة صوف صغيرة، وطلع إلى السلطان، فكلمه بقلب أقوى من الجلمد، ولسن أحد من المبرد، فقصد السلطان حجاجه فلم يقم له، فعرض عليه مالا ليسكته به فلم يقبل، وتردد إليه أياما، وطال الكلام بينهما والسلطان يخادعه بأنواع الخداع، فلم ينفعه شيء من ذلك، ولكن كان الأكابر من أهل الدولة يقوون عزمه، ويعلمونه

إظهار العصر لأسرار أهل العصر · الجزء ٢ · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إظهار العصر لأسرار أهل العصرج ٢ · ص ١٥٢